هاني لبيب
وبالتالى، أليس من الممكن لمواطن هذا العصر أن يتعايش مع وطن أصبح من المستحيل تعريفه؟ وطن قلق متغير فى حالة تكوين وتشكيل مستمر؟ إن هذا الوضع يفرض عليه أحياناً العودة إلى زمن خاص يعطيه إحساساً ولو مزيف بتعريف للوطن، يستطيع من خلاله أن يعيد صياغته.. فيصبح الوطن يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً، أو نازياً أو شيوعياً.. وهو ما يهدد مفهوم "المواطنة" كمنظومة حقوق خاصة عندما تصبح عضوية هذا الوطن مشروطة بالانضمام لعقيدته، تختلط القومية بالوطنية، فيصبح من حق مواطنى هذا الوطن وأصحابه تصور إمكانية تنقيته ثقافياً وعرقياً بنبذ كل ما يبدو مختلفاً عن أنماطهم واختياراتهم لدرجة قد تصل بهم إلى الشعور بالتميز والتفوق.
هذه الأسئلة العديدة وغيرها تصطدم بها مباشرة عند قراءة الكتاب القيم "معنى الوطن" للدكتورة ميرفت عبدالناصر، ومن الملاحظ أنها قد تعاملت على مدار صفحات الكتاب مع الوطن على اعتبار أنه "حالة إكلينيكية" يخضع للغة الشك والاحتمالات التى تحتاج إلى التفنيد والتحليل، وهو أمر ربما يعود إلى طبيعة تخصصها العلمى كأستاذة واستشارية للطب النفسى.
لقد اجتهدت فى الإجابة عن العديد من الأسئلة الشائكة من خلال نماذج تعاملت معها بشكل إبداعى وناقشتها على أرضية العلاقة مع الوطن بمفاهيمه المتعددة، وعلى سبيل المثال: رواية مايكل أوندانتج "المريض الإنجليزى" الذى يحترق جلده وتنمحى ملامحه بالإضافة إلى عدم امتلاكه ما يثبت هويته أو وطنه.
وأيضاً العمل الأوبرالى الشهير "أوبرا عايدة" حيث يقع "راداميس" قائد الجيوش المصرية فى حب واحدة من الأسرى هى "عايدة" ابنة ملك إثيوبيا، وهو نموذج للصراع النفسى بين الوطن والحبيب ومفهوم الخيانة، وحول إذا ما كان من الممكن أن يصبح الحبيب بديلاً عن الوطن! ومن النماذج الإبداعية الشاعر الشهير "كونستانتين كافافيس" حيث يؤكد اليونانيون على أنه يونانى، بينما يرى هو نفسه "إسكندرانياً"، وهذا مثال ممتاز على مأزق الهوية الوطنية، وهناك نموذج آخر هو فيلم "الطريق إلى قندهار" للمخرج الإيرانى محسن مخاليف حيث تجسد المشهد الأفغانى الدموى قصة طفل صغير يحلم بالغناء، ويؤمن بعودة هذا الوطن الضائع حتى لو اضطر أن يمشى إليه على أرجل اصطناعية.
نقطة ومن أول السطر..
ما الوطن؟ ولماذا تسيطر العاطفة تجاه الوطن على مشاعر البعض.. لدرجة أنها قد تلغى أحياناً كل المشاعر الأخرى؟
إنها طبيعة معنى حب الوطن.