البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شوقى علام - مفتى الجمهورية
أكد الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، أن الإسلام له فلسفته الخاصة فى بناء حقوق الإنسان، فاعتب الكرامة الإنسانية محفوظة لكون الله تعالى هو مصدرها وهو الذى أنعم على الإنسان بها، لقوله تعالى: "ولقد كرمنا بنى آدم"، وقوله عز وجل "لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم"، فالله سبحانه وتعالى هو مصدر الحقوق، ما يدفع إلى المحافظة على تلك الحقوق والالتزام المجتمعى بها، لكون انتهاكها يعد انتهاكًا لحق منحه الله تعالى لأحد أفراد المجتمع، بخلاف القيم ذاتها من المنظور الغربى التى تبدو منفصلة عن تلك الالتزامات.

جاء ذلك فى كلمة بعنوان "الحقوق والحريات بين الإسلام والغرب" ضمن فعاليات اللقاء الذى نظمته مكتبة الإسكندرية مساء اليوم الثلاثاء، بعنوان "حقوق الإنسان والمعايير المزدوجة"، بحضور الدكتور مصطفى الفقى مدير مكتبة الإسكندرية، ونخبة من العلماء والمفكرين والإعلاميين.

وأضاف أن الحقوق والحريات فى الإسلام حق أصيل ولكن بما لا يؤدى إلى الإضرار بمصالح الغير، وهنا تبدو المفارقة بين حقوق الإنسان فى الإسلام وفى الغرب، موضحًا أن الإسلام أناط تلك الحقوق بصفة الإنسانية المجردة عن أى وصف زائدٍ مُشعِرٍ بالتمييز العرقى أو الدينى، فكل إنسان داخلٌ فيها، وليست خاصة بالمسلمين فقط دون سواهم، وذلك أرقى ما يمكن التوصل إليه فى قضايا الحقوق والحريات، بل أن الإسلام بالغ فى التنبيه على رعاية حقوق الإنسان لغير المسلمين ليقطع الطريق على الفهم المغلوط والتوجه الطائفى المرتكز فى نفوس بعض البشر بوجه عام.

وأشار مفتى الديار المصرية، إلى أن المدارس الفكرية والفلسفية الإسلامية التى تناولت القضايا الحقوقية وبشكل خاص قضية الحرية ومرتكزاتها، برهنت على أن الثقافة الإسلامية تملك نظريتها الخاصة، وأن المنتج الإسلامى فى هذا الصدد عبَّر عن الفكر والمجتمع، ولم يكن مجرد نقل أو استئناس بفلسفة الحرية عند الغرب.

وأوضح علام، أن البناء الحقوقى فى الإسلام -إضافة إلى كونه إلهى المصدر- فإنه بناء مقاصدى، يهدف إلى تحقيق النفع الأكبر للإنسان عن طريق حفظ المقاصد الخمسة، وهى الدين والنفس والعقل والمال والنسل، وإليها تعود كافة الحقوق الإنسانية؛ من الحق فى الحياة والعمل والمسكن وحرية الاعتقاد، ونحو ذلك من الحقوق.

وقال مفتى الجمهورية، "البناء المقاصدى للحقوق كان له انعكاسه على ترشيدها، بما تقتضيه الضوابط الشرعية والمصالح المرعية، وقد بيَّن النبى صلى الله عليه وسلم ذلك للأمة عندما أعطى مثالًا بأصحاب السفينة، الذين جلس بعضهم فى أسفلها، وبعضهم فى طابقها الأعلى، فأراد الذين فى الأسفل أن يخرقوا فيها خرقًا ليأخذوا من ماء البحر مباشرة دون الصعود إلى أعلى السفينة، فحذر النبى صلى الله عليه وسلم من ذلك الفعل، والتذرع بممارستهم لحريتهم الشخصية؛ لكون ذلك الفعل يسبب ضررًا مباشرًا لهم ولغيرهم، ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم عن المشاركين لهم فى السفينة: "فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا".

وأشار الدكتور شوقى علام، إلى أن الحقوق والحريات فى الإسلام حق أصيل وهبة إلهية، لا يمكن الانتفاع بها إلا فى إطار المصالح الضرورية والمقاصد الكلية، والتى تعد الضامن الوحيد لتنظيم استعمال الحقوق والحريات بما لا يؤدى إلى الإضرار بحقوق ومصالح الغير.

وأضاف أنه لا شك أن القيم التى ارتكزت عليها الحقوق والحريات فى الإسلام قيم دينية خالصة، بخلاف الحقوق والحريات فى المنظور الغربى، التى ارتكزت على قيم إنسانية خالصة، وهنا تبدو مفارقة لا يمكن تجاوزها بين البناء القِيمى الإسلامى والبناء القيمى الغربى؛ لأن القيم الدينية هى الراعية للقيم الإنسانية، وفى كنفها نضجت وتشكلت، واعتمد الغرب على القيم الإنسانية فى صياغة مبادئ الحقوق والحريات، وما زال يعتمد الآن عليها فى التعديل والتطوير المستمر، لافتًا النظر إلى أن الإشكال أن تلك القيم الإنسانية لدى الغرب تعتمد كلية على الإنسان كمركز للقيمة والتحرر من المركزية الإلهية مطلقًا، بخلاف البناء القيمى الإسلامى الذى لا يتحرر على الإطلاق من المركزية الإلهية.

وتابع :"أنه بطبيعة الحال، إن لذلك انعكاساته على النظرية الحقوقية الغربية التى تأتى متحررة من القيود الدينية، ومن ثم تتوجه إلى تحقيق المصالح الدنيوية فقط -على فرض تحقيقها كاملة- دون المصالح الأخروية، بخلاف النظرية الإسلامية التى تسعى لتحقيق الخير التام فى الدنيا وفى الآخرة، وهو ما تقتضيه المقاصد الشرعية؛ ولذلك فإن الحرية الشخصية فى النظرية الإسلامية لا يمكن أن تكون إطارًا للانفلات الأخلاقى وممارسة الحق فى الشذوذ الجنسى ونحوه من السلوكيات التى ترفضها المنظومة القيمية الدينية".

وأوضح فضيلة المفتى أنه على الرغم من أن أغلب بنود الإعلان العالمى لحقوق الإنسان لاقت قبولًا واتفاقًا، فإن الجدل الذى صاحب ظهور الإعلان ولم يتوقف إلى تلك اللحظة الراهنة ظل قائمًا، وظلت العلاقة بين مبادئ الإعلان وما تبعه من مواثيق وبين المبادئ الإسلامية محل حوار وأخذ ورد، أسفر عن حراك فكرى مستمر، لعل أبرز مظاهره "إعلان القاهرة لحقوق الإنسان" عام 1990 الذى تضمَّن مجموعة من المبادئ الحقوقية المستمدة من الشريعة الإسلامية، والذى حاول فيه مصدروه التعبير عن مبادئ حقوق الإنسان من خلال وجهة النظر الإسلامية.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً