البابا تواضروس
وجاء فى نص عظة البابا تواضروس كالآتى :
"باسم الآب والابن والروح القدس الإله واحد آمين، تحل عينا نعمته ورحمته وبركته من الآن وإلى الأبد آمين، هذا اليوم هو "يوم المصلوب من أجل المحبوب" إنسان الله الذى خلقه من حبه، وعندما أخطأ الإنسان وابتعد جاء المسيح مخلصًا وفاديًا وغافرًا لخطايانا، الصليب أعظم حدث عرفته البشرية منذ خلقة العالم، الله عندما خلق آدم خلقه لكى ما يحيا، ولكنه بإرادته اختار أن يموت، فكسر الوصية وكسر قلب الله وعاش فى المخالفة وطرد من الفردوس وسعى فى الأرض وجنى الشوك من عمله وصارت - ولم تزل - الخطية تتملك على الإنسان، ولكن جاء المسيح لكيما يحل هذه المشكلة، مشكلة الخطية التى تطيح بالإنسان بعيدًا عن الله، لذلك الصليب فى هذا اليوم هو الحل الوحيد التى يحل مشكلة الإنسانية "لِكَى لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" ومعلمنا بولس الرسول يقول عبارة مهمة: "فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟".
وأوضح البابا أن الصليب له ثلاث معانى:
أداة: الصليب أداة للإعدام، أداة عار ونهاية أعتى المجرمين تكون على عود الصليب، ولكن مسيحنا القدوس يحوله من هذا العار إلى الفخر ويصير الصليب هبة للإنسان، لذلك نقول فى القداس "يعطى عنا خلاصًا" هبة الخلاص التى وهبها لكل إنسان.
معنى: هو الانطلاق والحرية، الإنسان البعيد عن الصليب هو مكبل بالخطايا، فجاء الصليب هو معنى للحرية "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" الصليب هو أداة الحرية والانطلاق من أثر الخطية، لولا الصليب لسادت الخطية على الإنسان ولم تعد له أى نجاة، لذلك نقول فى القداس "يعطى عنا خلاصًا وغفرانًا للخطايا" لأنه أداة الحرية لأن الخطية سجن والصليب هو مفتاح هذا السجن لكيما ينطلق الإنسان إلى حريته، حرية مجد أولاد الله.
حياة: الصليب يمنح حياة للإنسان الذى كان مائتًا ويقيمه من القبر ويصنع له عرس فرح، نحن نصلى اليوم وكل الصلوات حزن وألم ولكن هذا الحزن أخذه مسيحنا القدوس على الصليب وحوله إلى عرس وفرح، لذلك تقول عروس النشيد" "لِيُقَبِّلْنِى بِقُبْلاَتِ فَمِهِ، لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ" هذه العلاقة السامية جدًّا هى العلاقة التى تكون لنا فى الأبدية هى علاقة روحية سامية فيصير هذا عرس فرح دائم، لذلك نقول فى القداس "يعطى عنا خلاصًا وغفرانًا للخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه" هذا هو الصليب فى معناه.
كما أشار إلى أن الصليب أيضًا هو:
كيان: الصليب ممتد فى العهد القديم، عندما عبر موسى النبى البحر من فرعون ونجى من الغرق واستخدم العصا التى ضرب بها البحر وشقه وكانت هذه العصا رمزًا للصليب، فهو كيان قائم فى العهد القديم من خلال هذه الخشبة الصغيرة وضرب به البحر فانشق وتحولت مياهه إلى جدران وعبر الشعب البحر آمنًا وسالمًا، وغرق فرعون ومركباته، فالصليب كيان ندخل فيه، وتمثل الصليب فى قصة مقابلة السيد المسيح مع زكا العشار، زكا كان إنسانًا قصير القامة وقليل المعرفة ولا يستطيع أن يرى فذهب إلى الشجرة ليرى السيد المسيح، ويقف السيد المسيح عند هذه الشجرة، لأنه من خلال شجرة الصليب يكون الخلاص كما قال لزكا "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" وعندما ترى شجرة تذكر أن الشجرة رمز للصليب.
زمان: السيد المسيح صلب فى وقت الساعة السادسة وفى اليوم السادس وقت الظهيرة منتصف النهار لكيما يشهد العالم كله "منتصف الحياة" وعروس النشيد تقول "أَخْبِرْنِى يَا مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِى، أَيْنَ تَرْعَى، أَيْنَ تُرْبِضُ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، "وكُتب سفر النشيد قبل ميلاد السيد المسيح بـ 1000 سنة تقريبًا وسليمان الحكيم وهو يسجل هذا السفر يقول هذه العبارات، فكان الصليب فى هذا الزمان وقت الظهيرة، والسيد المسيح تعمد مقابلة المرأة السامرية فى وقت الظهيرة عند البئر وكان يقابلها لهدف أن يقابل النفس البشرية ويحول هذه النفس من إنسانة بعيدة إلى قديسة وتصير كارزة لأهل السامرة "الذين كانوا فى عداوة مع اليهود" وذهبت المرأة السامرية إلى أهلها وتحدثت عن السيد المسيح الذى قال لها كل شىء عن حياتها، وهى إنسانة ضعيفة ولكنها أصبحت شجاعة، واستضاف أهل السامرة السيد المسيح وبقى معهم يومان، المسيح تواصل مع امرأة فخلص مدينة وهذه معجزة، فالصليب زمان هو وقت الظهيرة.
مكان: المكان فى أورشليم، جبل الجلجثة، وهو مكان موجود حتى الآن وآثار الصليب موجودة حتى اليوم، فهو الحقيقة الخالدة الوحيدة ومعروفة من خلال الكتب المقدسة وأيضًا الآثار والتاريخ، اسمع أيضًا عروس النشيد تقول "تَحْتَ ظِلِّهِ اشْتَهَيْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَثَمَرَتُهُ حُلْوَةٌ لِحَلْقِى" تحت ظلال الصليب، يابخت من يجلس فى ظل الصليب وثمرته كل كلمة وكل فعل ونظرة وعمل وإشارة من مسيحنا المصلوب هى حلوة لحلقنا ونتغنى بها، مثلما نقول فى التسبحة "اسمك حلو ومبارك فى أفواه قديسيك" الجميع يصرخ ويقول اسمك حلو ومبارك، وتقول عروس النشيد أيضًا "حَبِيبِى أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ. مُعْلَمٌ بَيْنَ رَبْوَةٍ." هو علم وسط آلاف الأشخاص التى ظهرت عبر التاريخ قديمًا وحديثًا، فكلهم ظهروا كربوة ولكن بينهم واحد فقط هو معلم وهو الظاهر وهو الذى يستطيع أن يعمل ويخلص، حبيبى أبيض كامل النقاوة وأحمر كامل الفداء، كلى النقاوة والسمو، إن كنا نبحث عن سمو إنسانى على الأرض فمهما جاء فلاسفة بتقدم وسمو فالسيد المسيح يفوقهم، وحبيبى أحمر هو الوحيد الذى عنده الفداء، واللون الأحمر يرمز إلى دم السيد المسيح الذى سفكه من أجلنا، ألم أقل لكم أن هذا هو "يوم المصلوب من أجل المحبوب"، لكل إنسان فينا: "أنت محبوب الله" ولذلك صلب المسيح من أجلك، جاء السيد المسيح وتحمل الكثير ثم صلب وعُلق على الصليب فى وقت الظهيرة على مشهد من الجميع وجموع كثيرة رأت السيد المسيح، وكان بينهم إنسان غير يهودى كان قائد مئة وبعد أحداث الصليب طعن السيد المسيح فى جنبه فخرج دم والماء فوقف قائد المئة يقول العبارة الجميلة "حَقًّا كَانَ هذَا الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ " اعتراف قائد المئة الوثنى، أيها المحبوب الذى تواجه الصليب الآن هل تأخذ نصيبك من الحب ومن جنب السيد المسيح المجروح؟ هل تقف أمام السيد المسيح فى كل يوم وكل ساعة وتعلم أن هذا الصليب من أجلك؟، ويكون افتخارنا بالمسيح المصلوب لأنه صُلب من أجل الإنسان المحبوب حتى ولو كانت للإنسان خطايا فدمه يستر كل خطية ويطهرنا من كل إثم.
وذكر أن عروس النشيد تجاوب على سؤال مهم جدًا كيف نعيش المسيح المصلوب؟ اخترت لكم آية من سفر النشيد واعتبروها تدريب روحى نعيش به فى زمنا إلى أن يعطينا الله العام المقبل، ونحتفل بتذكار الصليب، فى سفر النشيد الأصحاح الأول عدد 12 "مَا دَامَ الْمَلِكُ فِى مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِى رَائِحَتَهُ" مادام فعل استمرار، والملك هنا هو المسيح المصلوب، والمجلس عند كل إنسان هو قلبه، تفسير العبارة مادام المسيح فى قلبك "مادام الملك فى مجلسه" أفاح مثل انتشار رائحة العطر أفاح ناردينى رائحته ناردينى بصيغة الملكية، الناردين نوع من الطيب غالى الثمن مركز الرائحة ويقول عليه الكتاب ناردين كثير الثمن، أفاح ناردينى.
وتابع :"أنت أيها الإنسان المحبوب عند الله عندك هذا الناردين ولكن العطر الذى فى قلبك يفوح برائحة المسيح، ويأتى السؤال ما هو النادرين الذى أملكه والذى أضعه فى قلبى؟.
- الناردين قد يكون كلمة الله، التى تخزنها فى قلبك، قلبك ثمين لأنه هو الذى سوف تقدمه إلى مسيحك ويُكشف يوم تقف أمام السيد المسيح فى يوم الدينونة، فالناردين قد يكون كلمة الله التى تحفظها فى قلبك وتكون حية وتعيشها الوصية التى تمارسها، يا بخت اللى فينا يخزن فى قلبه كلمة الله "وَفِى نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا ".
- الناردين قد يكون الأسرار المقدسة، التى نعيشها فى الكنيسة وخاصة سر التوبة والاعتراف وسر التناول، إنسان يعيش فى قوة السر عندما يتقدم للتناول ويثبت فى جسد السيد المسيح ودمه ويتقدم بوعى كامل ويثبت فى المسيح، قدم توبة حقيقية وثبت فى المسيح ثبات حقيقى ويكون فى ذلك خلاصك ونصيبك فى السماء، المهم الكيفية التى تمارس بها الحياة، هناك عطور مغشوشة احذر أن يكون ناردينك مغشوش، انتبه لنفسك.
- الناردين هنا هو الأسرار المقدسة التى نحياها بوعى وبفاعلية وتوبة حقيقية وعندما تتقدم للتناول تحضر قداس حقيقى بداخلك وتذوب بداخل الصلوات وداخل مسيحك، انتبه، لأن حياة الخداع والرياء لا تجنى ثمر، والملكوت لا يقبل الشكليات.
- الناردين قد يكون الصلوات، التى ترفعها من قلبك وتخاطب مسيحك "اسمك حلو فى أفواه قديسيك" وتكرار الاسم الحسن يحقق الحلاوة والرائحة، أيها الحبيب مسيحك المصلوب من أجلك هو يدعوك أن يكون فى قلبك ناردين كثير الثمن وهذا أبسط شيء تقدمه أمام المسيح المصلوب وتاج الشوك والمسامير والحربة والتعييرات وأمام كل هذا الشر والصراخ، أدعوك أن يكون المسيح فى مجلسه فى قلبك، "مَا دَامَ الْمَلِكُ فِى مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِى رَائِحَتَهُ ".
الناردين هو:
1- كلمة الله.
2- النعم التى نأخذها من خلال الأسرار.
3- الصلوات الحقيقية التى نرفعها من قلوبنا.
هذا الذى ترفعه أمام الله سوف يفوح برائحة المسيح فى كل مكان، أنت تخزن فى قلبك هذا الناردين وهذا الناردين يملأ القلب ويفوح برائحة المسيح، شكلك وكلامك وتصرفاتك تفوح برائحة المسيح الذكية ونقف جميعًا ونقول " وَلكِنْ شُكْرًا للهِ الَّذِى يَقُودُنَا فِى مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِى الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِى كُلِّ مَكَانٍ". (2 كو 2 : 14).
المسيح الذى صلب اليوم يقول لك "أنا أريد أن تقدم رائحتى لكل أحد"، رائحة الصليب والمسيح المصلوب تفوح منك لكل أحد، لا تنسى "مَا دَامَ الْمَلِكُ فِى مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِى رَائِحَتَهُ" يفيض الحب منك حب حقيقى ومن يعرف حب المسيح المصلوب يفهم الحياة، "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" يو 3 :16، هذا هو يوم الصليب الذى نتمتع به ونعيشه فى حياتنا كل يوم وهو الذى يعبر بنا الشاطئ الآخر من الحياة هو الذى ينقلنا من الأرض إلى السماء هو الوسيلة الوحيدة "وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ" "أع 4 : 12، لا تتخلى عن صليبك ولا تهمله، أنظر إلى الصليب الذى يعينك فى هذه الحياة ويرافقك فى الطريق حتى تصير لك السماء فى النهاية، يباركنا مسيحنا بكل بركة روحية ويعطينا فرح الصليب فى حياتنا على الدوام وإمكانياته "مَا دَامَ الْمَلِكُ فِى مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِى رَائِحَتَهُ ".
واختتم البابا تواضروس فى كلمته كل سنة وحضرتكم طيبين ونشكر الله أنه يعطينا الفرصة رغم الوباء والموجة الثالثة، أرجوكم الالتزام الكامل وخط الوقاية الأول أمام هذا المرض اللعين الذى أصاب عشرات الملايين هو الكمامة وغسل اليدين، والبعد عن الزحام ونجلس فى مكان جيد التهوية، ويكون طعامنا صحى ولا تتهاون وصلى من أجل الذى انتهت حياتهم بسبب الفيروس ومن أجل المرضى الله يشفيهم، الحياة غالية فانتبه، سوف نصلى الآن الساعة الثانية عشر و نلتزم بأماكنا حتى نهاية الصلوات ونصلى من أجل كل أحد وأخواتنا المرضى لأجل أن يشفيهم الله ويفرحوا بالقيامة، لإلهنا كل مجد وكرامة الآن وإلى الأبد آمين.