وكيل الأزهر
جاء ذلك فى كلمته التى ألقاها نيابة عن شيخ الأزهر الشريف الأستاذ الدكتور أحمد الطيب فى افتتاح مؤتمر "التطرف الدينى: المنطلقات الفكرية، واستراتيجيات المواجهة" الذى نظمه مركز سلام التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، مضيفا فضيلته أن الحاضرين جميعا فى غنى عن التأصيل النظرى للتطرف، الذى يأخذهم حينا إلى عمق أعماق التاريخ، منذ هبط آدم إلى الأرض، ويأخذهم حينا آخر إلى الجنة قبل أن يخرج آدم منها، وهكذا فى تنظير ندور فى فلكه، بين أخذ ورد، وقبول ورفض، دون أن نضع علاجا عمليا لما تصطلى المجتمعات الآمنة بناره، وتكتوى بلهيبه.
ولفت فضيلته النظر إلى أن الأزهر عقد مؤتمره المشهود عام ألفين وأربعة عشر، «مؤتمر الأزهر لمواجهة التطرف والإرهاب» الذى حضره ممثلون عن مائة وعشرين دولة من أنحاء الأرض، من رجال دين، وقادة سياسيين، وكتاب ومفكرين، من مختلف الطوائف والملل، والذى حاول فيه أن يصل إلى صيغة موحدة ضد التطرف والإرهاب، تكشف تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
وأكد "الضوينى" أن مؤتمر الأزهر قد ختم أعماله بإعلان «بيان الأزهر العالمى» الذى وضع الجميع أمام مسئولياتهم، وكشف الستار عن التطرف الحقيقى الذى يغض الطرف عنه كثير من المنظرين، ودعا إلى لقاء حوارى عالمى للتعاون على صناعة السلام وإشاعة العدل فى إطار احترام اختلاف العقائد، وتباين الأفكار.
وشدد وكيل الأزهر على أن المتأمل بإنصاف يرى أن التطرف يبوء بإثمه وعاره من يحمله فى رأسه فكرا، ومن يقوم به ممارسة، ومن يعين عليه تمويلا ورعاية، وأما الأديان فلا علاقة لها بذلك، ولو أننا حاكمنا الأديان والأوطان لسلوك بعض أهلها ما نجا منها دين ولا وطن.
وأردف: وأرجو ونحن نبحث عن الأفكار التى تضمنتها أدبيات الجماعات المتطرفة أن نأخذ بعين الاعتبار الأصولية والعصبية والجمود والانغلاق الذى ابتلى به بعض أتباع الأديان، وأن ندرك حقيقة تأثير هذه الأفكار المسمومة على عقول الشباب وأفكارهم، خاصة بعد سهولة نشرها عبر الشبكة العنكبوتية التى تحتاج من الأجهزة المسئولة إلى مزيد من الرقابة أو الحجب حفاظا على الهوية، ومن الأجهزة التربوية أن تنشئهم على حسن التعامل مع معطيات العصر، وأن تضع للشباب برامج بديلة تكفل لهم إشباع احتياجاتهم، وتجيب عن تساؤلاتهم.
وأضاف أنه من الواجب أن نبتعد قدر الاستطاعة عن الخطب والمواعظ التى تستثير العواطف، وتدغدغ المشاعر، فليس هاهنا مكانها، وإن الواجب الحقيقى أن نضع حلولا عملية جادة لمشكلة التطرف تبدأ من وضع برامج تعليمية خاصة، وفتح شراكات إنسانية عابرة للحدود تقرب الشعوب وتذيب الفوارق دون أن تطمس الهويات، وتكشف التزييف والتحريف.
وشدد على أننا لا ينبغى أن نخدع بقضية «تجديد الخطاب الدينى»، وأن نجعلها مشجبا نعلق عليه الفشل، ومع إيماننا بضرورته، وأهميته، فإننا نؤمن أيضا أن التجديد له رجاله المتخصصون، وله ضوابطه، وأن تجديد الخطاب الدينى ينبغى أن يسايره تجديد الخطاب الإعلامى والثقافى والسياسى وغير ذلك من خطابات لا يستغنى عنها بنو الإنسان.
وختم فضيلته كلمته قائلا: إن الله سيسألنا عن الأمانات التى وضعها فى أعناقنا، ومتى لم نقم أفرادا وحكومات ومنظمات بما أراد الله فقد خنا الأمانة الإلهية»، وأن واجب الوقت يحتم على علماء الأمة أن يتحملوا مسئوليتهم تجاه التصدى للغلو والتطرف، بلزوم منهج الوسطية فى شؤون حياتهم كلها: عقيدة وعبادة ومعاملة، فلا إفراط ولا تفريط، وأن يعرف الجميع أن الأوطان لها حق لا ينكر، وأن المواطنة الحقيقية نطق بها تاريخ الإسلام عمليا عبر دول وممالك متعاقبة، وأن على العلماء خوض حرب الأفكار بكل قوة وبسالة لتقويض أركان التطرف، الذى يتخذ من العقول -وخاصة عقول الشباب- أرضا خصبة يبث فيها مواده السامة، وأن من الواجب الذى لا ينبغى تأخيره أن نعيد النظر فى مضامين الرسالة الإعلامية، واستبدالها بمضامين جديدة تركز على معالجة العنف، وتعمل على تصحيح المفاهيم، وأن نصدر من التشريعات ما يضمن التصدى لوسائل الإعلام المشبوهة، التى تمارس أدوارا تحريضية مدمرة، تؤثر فى عقول الشباب وتهدد أمن الشعوب والمجتمعات، إلى جانب التصدى للمعلومات الهدامة التى تروجها الشبكة العنكبوتية عبر صفحات التخريب الاجتماعى، ومعالجتها من خلال برامج تربوية كفيلة بخلق الوعى الكافى للتعامل معها بأمان تام، وأتوقع من هذا المؤتمر أن يشخص الداء، وأن يصف الدواء، وأن يخرج باستراتيجية عملية تحصن الشباب من غسيل الأدمغة الذى قد يتعرضون له، فى ظل تعاون دولى مثمر، ينفع الإنسانية كلها.