البث المباشر الراديو 9090
دار الإفتاء
كشفت دار الإفتاء المصرية عن حكم طاعة الوالدين إذا ما أمرا ابنهما بتطليق زوجته.

وقالت الإفتاء، على موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت: "شرع الله تعالى التشريعات بما تشتمل عليه من أوامر ونواهٍ ومحاذير ومندوبات، ومنح الإنسان حرية الاختيار في كل أمر يعود إلى فطرته أو ميل نفسه، أو اختيار عقله وقلبه، دون أن يلزمه في ذلك بشيء دون شيء ما لم يكن في اختياره ذلك إثمٌ أو ضررٌ أو مفسدةٌ؛ حتى يتحمل تبعات اختياراته".

وأضافت: "من الأمور التي ترجع حتمًا إلى إرادة الإنسان واختياره في ضوء الضوابط الشرعية المنظمة لها؛ أمر الزواج وما يتبعه من استمرار الحياة الزوجية أو إنهائها على وفق ما يجد الإنسان فيها ما يتوخاه من تحقيق أهداف ومقاصد الزواج".

ولفتت إلى أن الشرع الشريف لم يجعل للولي، ولو كان أحد الأبوين، حق الإجبار على الزواج أو المنع منه، إذا كان من تحت ولايته بالغًا عاقلًا ذكرًا أو أنثى، فلا يحقّ للأب تزويج ابنته أو ابنه إلا بعد التأكد من موافقتهما على هذا الزوج أو تلك الزوجة.

واستطردت دار الإفتاء: "ومع تقرير ذلك المعنى من إنَّه لا يحق للوالدين أو أحدهما إجبار الأولاد على الزواج ممَّن لا يرغبون بالزواج منه، إلا أنَّه لا منافاة بين ذلك وبين ما منحه الشرع للوالدين من منزلة ومكانة تحتم على الأولاد الطاعة والرعاية على أتم وأكمل وجه، إذ إن ضابط الطاعة المأمور بها من الأولاد للآباء: هو كلّ ما يعود لمنافع الأبوين بحيث يلحقهم ضرر بتفويته، مع عدم الإضرار بمصالح أولادهم الحقيقية، بحيث إذا تعارضت تلك الطاعة فيما يضر بمصالحهم وما لا بد لهم منه من الأمور الحياتية كالزواج والعمل والسكن، فإنه يجب حينئذٍ التلطف مع الآباء وبيان تعذر طاعتهم في ذلك لما يعود من ورائه من ضرر أو مشقة لا يرضونها لأولادهم".

وأضافت: "ولَمَّا كان أمر إنشاء الزواج وانعقاده لا يشرع فيه الإجبار من الوالدين، ولا يلزم الأولاد فيه الطاعة إن خالف اختيارُ آبائهم اختيارَهم وميلهم، فكيف يكون لإنهاء الزواج وما يتبعه من انهدامِ بيتٍ وفرقةٍ وشتاتِ أمرٍ وتبعاتٍ مالية كبيرة ونفسية خطيرة أن يلزمهم الشرع بطاعتهم في ذلك، إضافة إلى ما قد يلحق الزوجة من ظلم إن طُلِّقتْ دون وقوع تقصير منها؟!".

وتواردت نصوص الفقهاء على أنه لا يجب على الولد طاعة الوالدين في أمرهما بطلاق زوجته؛ إذ الأصل في الطلاق الحظر لا الإباحة، فلا ينبغي اللجوء إليه إلا في حال تعذر الحياة الزوجية بين الزوجين، أو ثبوت تضررهما أو أحدهما باستمرارها، ولم يجعل الشرع رغبة الوالدين في تطليق زوجة الابن من المسوغات التي يُبَاح لأجلها الطلاق، كما أنَّ مخالفتهما في ذلك ممَّا لا يُعدّ في العرف عقوقًا، ولا يترتب عليه إثم ولا ذنب.

وتابعت الإفتاء: "وما ورد من نصوص وآثار تفيد الأمر بطاعة الوالدين إذا طلبا من ولدهما طلاق زوجته؛ من ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كانت تحتَه امرأته، وكان يعجب بها، وكان عمر يكرهها، فقال له: طلّقها، فأبى، فذكرها ابن عمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أَطِعْ أَبَاكَ وَطَلِّقْهَا" أخرجه ابن شيبة في "المصنف"، وصححه الحاكم في "المستدرك".

وعن أبي طلحة الأسدي قال: "كنت جالسًا عند ابن عباس رضي الله عنهما، فأتاه أعرابيان فاكتنفاه، فقال أحدهما: إني كنت أبغي إبلًا لي، فنزلت بقومٍ، فأعجبتني فتاةٌ لهم فتزوجتُها، فحلف أبواي أن لا يَضُمَّاهَا أبدًا، وحلف الفتى فقال: عليه ألف محرر وألف هدية وألف بدنة إن طلقها، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما أنا بالذي آمرك أن تطلق امرأتك، ولا أن تعق والديك"، قال: فما أصنع بهذه المرأة؟ قال: "ابرر والديك".

ويُجاب على ما فُهِم من ظاهر هذه النصوص والآثار بأمرين: أولًا أنَّ ما ورد بشأن أمر سيدنا عمر ابنه رضي الله عنهما بطلاق زوجته، وإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم له على ذلك، واقعة عين لا يجب إنزالها على عموم الأحوال؛ وذلك لما اختص به سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من خصائص لم يختص بها غيره؛ فهو من الْـمُحدَّثِين، حيث إن الوحي كان يأتي موافقًا لمراده رضي الله عنه؛ وذلك من شدة إيمانه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مما يُفهم منه أنه ما كان ليأمر ابنه بطلاق زوجته، مع علمه بأن الطلاق من أبغض الحلال إلى الله تعالى، إلا مع تيقنه أنّ في بقاء زواجه منها ما قد يُوقع في الضرر أو الفساد، وقد كان هذا هو فهم الفقهاء هذه الواقعة:

فقد سأل رجلٌ الإمام أحمد بن حنبل عما يفعله فيما يأمره أبوه به من طلاق زوجته؛ فقال له: "لا تطلقها"، فاحتج الرجل عليه بواقعة سيدنا عمر رضي الله عنه.

ثانيًا: أنه يصحّ حمل ما ورد في ذلك من نصوص وآثار على خصوص كون أمر الوالد بطلاق الزوجة في حال توافر مستند شرعي يبيح له تطليقها لا لمجرد النفور منها أو الكراهة لهوى أو ميل نفس، بحيث لا يجب طاعتهما إذا أمراه بالتطليق فيما لا يباح لأجله التطليق.

اقرأ الفتوى كاملة من هنا

وبناء على ذلك؛ فإنه ليس من البرِّ طاعة الوالدين في تطليق الزوجة وهدم البيت، ولا يجب على الابن أن يطيع والديه في ذلك؛ ما دام أنه لا يوجد مُبرِّر شرعي، ولا يُعدّ ذلك من العقوق أو الإثم في شيء، وعليه أن يرفق بهما ويتلطف معهما، ويتحايل بالحكمة في أمره معهما بما يحقق المصلحة لنفسه وأهله ولا يُغْضِب والديه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز