البث المباشر الراديو 9090
مدحت بشاي
عن عمر يناهز 71 عاما رحل عن عالمنا المفكر العلماني والفنان التشكيلي مدحت بشاي، حيث أقيمت ظهر اليوم الأحد  صلاة الجنازة على جثمانه الطاهر بكنيسة مارجرجس بمصر الجديدة.

ترك مدحت بشاي بصمة خالدة على أكثر من مستوى، وأثرى عددا كبيرا من الصحف والمجلات بكتاباته الموسوعية المتعددة، فلم يكن يكتب فقط عن حال المسيحيين بل في كل القضايا الوطنية المختلفة كما كان فنانا وناقدا تشكيليا من طراز فريد.

احتل "مدحت بشاي" موقعا متميزا في تيار العلمانيين الذي نشأ عام 2006 لإحداث حراك إصلاحي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكان الرجل الثاني في التيار بعد كمال زاخر المؤسس له.

وروي "بشاي" قصة هذا التيار، فقال: الحكاية بدأت عندما رأى مجموعة من الكتاب وبعض أصحاب الأدوار المجتمعية والإعلامية التنويرية عبر مواقع وجودهم ومن خلال مشاركاتهم المتميزة في ندوات ومؤتمرات، أو الكتابة في الإصدارات الصحفية المختلفة في مجالات الدعوة للإصلاح والتغيير بشكل عام والمؤسسات الدينية بشكل خاص، فكان الاتفاق على دعم تلك الجهود عبر استحداث كيان اجتماعي يتم الاتفاق على مسماه وأهدافه وخطة التحرك والمأمول من جهود من قبل المجموعة المؤسسة.

وتابع: تم الاتفاق على مسمى"التيار العلماني" للكيان الفكري الجديد - إن صح التعبير - في تلك الآونة، والمقصود بوصف "العلماني" هنا أنهم مجموعة تنتمي للجماعة الوطنية المسيحية في الكنيسة المصرية من غير "الإكليروس" أصحاب الرتب الكهنوتية المختلفة، وقالوا بوضوح إنهم لا يمثلون الملايين من العلمانيين ولا يتحدثون باسمهم، ولا يجمعهم أي توجه أيديولوجي أو سياسي أو حزبي، إنما جمعهم هدف واحد ومهم من وجهة نظرهم وهو دعم الدور الكنسي الوطني والإنساني المجتمعي عبر إقامة حوار مجتمعي.. حوار عام حول أطر تم تحديدها للانطلاق في تلك الفترة بالكنيسة وبرجالها من حيز مربعات الاكتفاء بإنشاد معلقات النحيب والشكوى في فناءات الكنائس الضيقة حول مدى الظلم الواقع على المواطن المسيحي وألوان التمييز التي يعيش تبعاتها في التعيين والترقي في المصالح والدواوين الحكومية والجامعات وكل مؤسسات الدولة، وفي مجال إقامة وترميم دور العبادة وغيرها من المطالب المتكررة عبر الحقب الزمنية المتتالية، إلى رحابة الوطن وإعلان الوجود الإنساني والاجتماعي والسياسي لذلك المواطن؛ ليشارك بشكل إيجابي دون قيود سلطانية كهنوتية تفرض مفاهيم من نوعية "وطني كنيستي" و"أب اعترافي قائدي" و"البابا والمطارنة وكلائي في الوطن" و"ابن الطاعة يكفيه لطم الخدود" و"المقر البابوي بابه موصود يا ولدي" و"ورأيك السياسي اختزله في التصفيق لدخلة جمال مبارك المباركة ومش مهم تصلي!" و"مدارس أحد لدرس الابن الضال يا رب يحفظوه!".. إلى آخر تلك النصوص والمحفوظات العتيدة وتعاليم المطالعة الرشيدة في مسائل الإدارة الكنسية. 

وأضاف بشاي قائلا: كانت الجوانب الإدارية والتنظيمية هي أهم ما نناقشه في كل فعالياتنا ذات الطابع الموضوعي والعلمي.

مع التأكيد على أن الكنيسة مؤسسة يديرها ويقوم بتفعيل دورها مجموعة من البشر "والبشر قد يجانبه التوفيق أو يصيب وهم في النهاية يشكلون كائن حي يعيش وسط مجتمع أكبر، والكائن الحي لكي يبقى حياً لا بد له من تفاعلات يومية تتبدل وفق معطيات الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي.. وكانت المواجهات صعبة والمقاومة لفكر التيار تشكل حصاراً لوجودهم وللسياقات المتاحة لهم للعمل.

وعن قصة إصداره كتاب "أقباط علمانيون على أجنحة البوم" قال: اشتد الهجوم من بعض كهنة الكنيسة علينا وقالوا دعوهم إنهم مجرد بوم ينعق في سماء الكنيسة، وهو ما دفعني لإصدار كتاب عنونته "أقباط على أجنحة البوم" ضمنته الرد الوافي الموضح لتفاصيل وصلات النعيق (أقصد بالطبع إنجازات تلك الجماعة الإصلاحية وتوصيات مؤتمراتها وعرض جانب كبير من الأوراق البحثية التي قدمها مجموعة رائعة من المتخصصين في مجالات مختلفة من أعضاء التيار ومن خارجه...).

وأكد الكتاب أن  فكرة "التيار العلماني" مجرد امتداد لفكر عدد من أصحاب الرؤى الإصلاحية، أذكر أنه في الفترة التي كنت أكتب فيها بشكل شبه دوري في جريدة الأخبار، ومع عدد من كتاب التيار العلماني كان يكتب بشكل دوري الإصلاحي الرائع الذي سبقنا جميعا وتعلمنا منه الكاهن إبراهيم عبد السيد صاحب العديد من المؤلفات الهامة في مجال دعم تطوير الأداء الكنسي، ومن ينسى كتب ومقالات د. سليمان نسيم، وسليمان قلادة وغيرهم.. بل والغريب أننا في حوارنا مع الكنيسة، طالبنا بتطبيق ما سعى إليه قداسة البابا شنودة الثالث من إصلاحات وكتبها وهو علماني وكان اسمه نظير جيد - وأيضا وهو أسقف للتعليم - عبر أعداد مجلة "مدارس الأحد" ومجلة الكرازة  التي كان يرأس تحريرها، قبل أن يصبح بطريركيا ويسد مسام ومنافذ الإصلاح.

إن مساهمات مدحت بشاي، في مجال إصلاح قانون الأحوال الشخصية للأقباط تستحق أن تقرأ من جديد؛ لأنه كان يطالب بقانون إنساني يناسب العصر، مطالبا بتعدد أسباب الطلاق، كما كانت في لائحة 1936، ما يؤكد أننا خسرنا قامة فكرية متميزة وإنسان راقٍ لأبعد الحدود.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز