البث المباشر الراديو 9090
البابا فرنسيس
تتعلق قلوب الملايين حول العالم ببيانات مستشفي "جميلي" بروما، حيث يرقد البابا فرنسيس في حالة حرجة تتيح التمدد لشائعات رحيله عن عالمنا مع نفي وصلوات لا تهدأ لاجله، وحالة الترقب والخوف والقلق التي تجعل كثيرين لا ينامون خوفا من الخبر المرتقب.

تتعلق قلوب الملايين حول العالم ببيانات مستشفي "جميلي" بروما، حيث يرقد البابا فرنسيس في حالة حرجة تتيح التمدد لشائعات رحيله عن عالمنا مع نفي وصلوات لا تهدأ لاجله، وحالة الترقب والخوف والقلق التي تجعل كثيرين لا ينامون خوفا من الخبر المرتقب.

هنا يبرز سؤال ماذا فعل هذا الرجل النادر ليكسي طوفان الحب الهادر الذي بلا مثيل؟ 

قدم البابا فرنسيس أول بابا للفاتيكان قادما من قارة لاهوت التحرير الكثير من الإنجازات، وحقق مثاليات ظنها البعض قد اختفت تماما من عالمنا وفي هذا التقرير نرصد جوانب من هذه العلامات التي حفرها البابا الفقير الذي يحمل شنطته بنفسه ولا يخجل من ارتداء ثوب مقطوع الاكمام.

حاول البابا فرنسيس أن يقوم بثورة في المجتمع وعلى مستوى الاقتصاد معارضًا "ثقافة الهدر" والنفعية والمضاربات المالية وأدان النظام المالي العالمي حيث ندد بالنظام المالي العالمي لاستغلال الفقراء وتحول البشر إلى السلع الاستهلاكية معمرة من خلال إعادة إطلاق العمل وتقدير الأشخاص والعائلات محررًا العالم من عبادة المال الذي "يجب أن يخدم ولا أن يحكم".

دعا إلى التعاون بين المسيحيين والمسلمين خلال خطاباته، وقدم التهاني بصوم شهر رمضان، وذكر أن كلا من المسيحيين والمسلمين يعبدون نفس الإله، وأعرب عن أمله بأن المسيحيين والمسلمين يجب أن يعملوا معا لتعزيز الاحترام المتبادل.

كما دعا المشردين للعشاء معه في عيد ميلاده: في ذكري عيد ميلاده يوم 17 ديسمبرمن كل عام كرر البابا فرانسيس دعوة مجموعة من الرجال المشردين في الفاتيكان لتبادل وجبة عيد ميلاده جنبا إلى جنب مع موظفيه.

إن البابا قد أراد عيد ميلاد صغير من شأنه أن يفعل الخير، وليس حدثاً كبيراً ومكلفاً، كما أنه باع دراجته النارية لصالح المشردين وتبرع بنفسه بدراجته الهارلي ديفيدسون للدراجات النارية لتمويل فندق ومطبخ يستضيف اللاجئين في روما.

واكتشف أن البابا فرانسيس يترك بانتظام الفاتيكان في الليل لإطعام المشردين، يرتدي زى كاهن عادي، وقيل أنه ينضم إلى المطران كونراد كاراجسكي لإطعام الفقراء من روما.  

عقد البابا خدمة خميس العهد في سجن "كاسال ديل مارمو"، بدلا من الفاتيكان أثناء الخدمة، وفيها غسل البابا وقبل أقدام 12 من الأحداث الجانحين للاحتفال بمبادرة يسوع بالتواضع تجاه رسله في ليلة ما قبل موته، وفي هذا العمل حطم التقاليد عن طريق غسل أقدام النساء والمسلمين.

وقد أجمل الكاتب الدكتور اللاهوتي اللبناني "أسعد قطّان" في صورته القلمية التي كتبها بعنوان "فرنسيس" في وصف البابا قائلا : قبل اثنتي عشرة سنةً من اليوم، دخل رئيس أساقفة بوينس أيرس يورخي ماريو برغوغليو كنيسةً شيّدها البابا الرومانيّ سكستوس الرابع بين العامين ١٤٧٣ و١٤٨١، ورسم جداريّاتها المتلامعة كموائد الضوء ميكالانجلو العظيم. دخلها وخرج منها حَبراً على الكنيسة الكاثوليكيّة، ورأساً لأقدم مؤسّسة في العالم.

وحين خاطب الناس في إثر انتخابه، اختار أن يتلقّب بلقبه الأعرق والأقرب إلى الحسّ الكنسيّ السليم. فأخبرنا أنّ إخوته الكرادلة أتوا به من أقصى أنحاء المعمورة (طبعاً من وجهة نظر الذين يعيشون في القارّة القديمة) كي يجعلوه «أسقفاً» على روما.

صار هذا الرجل أوّل راهب يسوعيّ في التاريخ يدخل الكابيلّا سيستينا ليخرج منها رأساً للكثلكة، لكنّه لم يتّخذ لنفسه اسم مؤسّس الرهبنة اليسوعيّة إغناطيوس دي لويولا، بل ارتأى أن يتسمّى فرنسيس، أو فرانتشيسكو كما يحلو للرومانيّين أن ينادوه، وذلك تيمّناً بالقدّيس فرنسيس الأسّيزيّ، الذي ارتبط اسمه بالفقر والفقراء.

والحقّ أنّ هذا الاسم صار البرنامج وصار الحكاية، فقد أعلن فرانتشيسكو أنّ الفقراء والغرباء والمهمّشين، هؤلاء الذين أحبّهم يسوع الجليليّ، والذين تذكّرنا بهم اليوم بالذات (أحد الدينونة) الكنيسة الشرقيّة الأرثوذكسيّة، أعلن أنّهم قضيّته ومحجّته وعشقه ونبراسه.

فغادر القصور الفاتيكانيّة المحفورة بإبر التاريخ والجمال، وسكن دارةً متواضعة، ثمّ أعلن أنّ كنيسته وقعت في تجربة تغرّبها عن أحبّة يسوع المستضعفين في الأرض، وأوعز إلى المؤسّسة الطاعنة في القدم أن حان وقت الإصلاح واكتشاف طاقة التغيير الكامنة في إنجيل المصلوب، وحين رأى أسقف مدينة فولوس (اليونان) الأرثوذكسيّ ما كان من أمر أسقف روما الجديد، شهد له وقال لأحد زوّاره: «الناس يبصقون علينا بعدما أبصروا فرنسيس».

هل يستطيع رجل واحد أن يغيّر ملايين البشر؟ بالطبع لا، حتّى ولو كان لقبه الحبرَ الرومانيّ، ويتمتّع بصلاحيّات يحسده عليها حكّام الأرض قاطبةً، وهو لا يستطيع ذلك، لا لأنّه فرد فحسب، بل لأنّ الله وحده هو من يغيّر البشر.

يضاف إلى ذلك أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة ربطت ثبات بعض هيكليّاتها، التي آن أوان إعادة النظر فيها وإصلاحها، بمبنًى عقائديّ عنيد، حتّى إنّ بعضهم يحسبه عصيّاً على الإصلاح.

من هذه الهيكليّات النظرةُ إلى البابا الرومانيّ ذاته، ومنها طبعاً بتوليّة الكهنة الذين يتبعون الطقس اللاتينيّ، وإقصاء النساء عن الكهنوت عبر اللجوء إلى حجج لاهوتيّة رعناء، فضلاً عن ثلّة من المسائل الأخلاقيّة الكأداء.

يعرف فرنسيس هذا كلّه، وهو بالتأكيد يخاف على كنيسته المترامية، ولا يريد لها أن تتصدًع وتتفسّخ.

لكنّه يدرك أيضاً أنّ المشروع الإصلاحيّ لا بدّ منه، ويدرك ضعفه على الرغم من نصوص المجمع الفاتيكانيّ الأوّل، التي رفعت أسقف روما إلى مصافّ «الحبر الأعظم».

وهو يعي، وهذا هو الأهمّ، أنّه، على شاكلة سيّده المصلوب، لم يأتِ ليُخدم، بل ليَخدم، أي إنّه مجرّد أسقف معرّض للتهشّم في أيّ لحظة، وإنّ يديه فارغتان إلّا من شموع يشعلها هنا وثمّة على رجاء أن يلتقط البشر بعض وميضها، فيتغلّب النور على الظلمة.

اليوم، فرانتشيسكو الجميل قابع في المستشفى يصارع المرض، هو يعرف أنّ صراعه الآخر من أجل إصلاح الكنيسة، وهي «في حاجة مستديمة إلى إصلاح» كما ذهب إليه آباء الحركة البروتستانتيّة، هذا الصراع لم ينتهِ بعد، ولعلّه لن ينتهي.

هل بدأ الرجل، وهو على سرير المرض، يستعيد مسيرة الأعوام المنصرمة محاولاً استمداد الخلاصات؟ ماذا يدور في خلده يا ترى؟ لقد حرّك المياه الراكدة، وجعل كثيرون منّا يشعرون بأنّ الكنيسة ليست مجرّد مؤسّسة جامدة تعيد إنتاج ذاتها، وإنتاج أخطائها، لكنّ الهيكليّات العنيدة المتلبّسة لبوس العقيدة لم تتهاوَ بعد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً