البث المباشر الراديو 9090
مفتى الجمهورية
قال الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية، إنه لا مانعَ شرعًا من شراء "شهادة أمان المصريين"، مؤكدًا أن أرباح هذه الشهادات لا تُعد من قبيل الربا، لأنَّها ليست فوائد قروض، وإنما هى عبارةٌ عن أرباح ناتجة عن عقود استثمارية تحقق مصالح أطرافها.

أضاف، فى أحدث فتوى له، اليوم الأربعاء، أنه لا مانع أيضًا، من ارتباط الشهادة بوثيقة تأمينٍ جماعى، مشيرًا إلى أن التأمين بكل أنواعه أصبح ضرورةً اجتماعيةً تُحتِّمها ظروف الحياة ويصعب الاستغناء عنه، لوجود الكَمِّ الهائل من العمال فى المصانع والشركات الاقتصادية العامة والخاصة وفى غير ذلك من الأعمال.

وتابع: "ليس المقصود من التأمين الربح أو الكسب غير المشروع، وإنما التكافل والتضامن والتعاون فى رفع ما يصيب الأفراد من أضرار الحوادث والكوارث، وليس التأمين ضريبةً تحصَّل بالقوة، وإنما هو تكاتف، وتعاون على البر والإيثار المأمور بهما فى الإسلام، كما أنه يجوز شرعًا أخذ الجائزة على الشهادة لمن توافقه قرعة السحب".

أوضح مفتى الجمهورية فى الفتوى أن "شهادة أمان المصريين" هى نوع من الأوراق المالية التى تصدر تحت إشراف البنك المركزى كوعاءٍ ادخارى لحساب الأفراد الطبيعيين من العمالة الموسمية والمؤقتة واليومية والمرأة المَعِيلة وغيرهم من المواطنين، أى إن البنوك المشترِكة فى إصدارها تكون وسيطًا بين الأشخاص والدولة من أجل توفير نوعٍ من الضمان والحماية لهؤلاء وأُسَرِهم من خلال جَنى العائد أو التأمين المترتب على الاشتراك فيها كما سيأتى بيانه.

والتكييف الشرعى لهذه العمليَّة بإجراءاتها المختلفة، كما أوضح مفتى الجمهورية، هو أنها من قبيل العقود المستحدثة والحكم فيها الحِلُّ إذا حققت مصالح أطرافها ولم تشتمل على ما حُرِّم شرعًا إذا خلت من الغرر والضرر، ولا علاقة لها بالربا، وهذا ما استقرت عليه الفتوى فى الديار المصرية، وهو ما جرى عليه قانون البنوك المصرى رقم 88 لسنة 2003م، ولائحته التنفيذية الصادرة عام 2004م، فليست الأرباح حرامًا، لأنها ليست فوائد قروضٍ، وإنما هى عبارةٌ عن أرباحٍ ناتجةٍ عن عقودٍ استثماريةٍ تحقق مصالح أطرافها، ولذلك يجوز التعامل مع البنوك، وأخذ فوائدها شرعًا، والإنفاق منها فى جميع وجوه النفقة الجائزة من غير حرج.

وأضاف المفتى أن تكييف وثيقة التأمين الشرعى هو تكييف التأمين الذى هو من المعاملات المستحدثة التى لم يرد بشأنها نصٌّ شرعى بالحِل أو بالحرمة شأنه فى ذلك شأن معاملات البنوك، فقد خضع التعامل به لاجتهادات العلماء وأبحاثهم المستنبطة من بعض النصوص فى عمومها، كقوله تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"، وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى".

وقال مفتى الجمهورية: "هذا النوع من التأمين يكاد الإجماع أن يكون مُنْعقدًا على أنه موافق لمبادئ الشريعة الإسلامية، لكونه تبرعًا فى الأصل، وتعاونًا على البر والتقوى، وتحقيقًا لمبدأ التكافل الاجتماعى والتعاون بين المسلمين دون قصدٍ للربح، ولا تفسده الجهالةُ ولا الغرر، ولا تعتبر زيادة مبلغ التأمين فيه عن الاشتراكات المدفوعة ربًا، لأن هذه الأقساط ليست فى مقابل الأجل، وإنما هى تبرع لتعويض أضرار الخطر".

واستدل المفتى على جواز ذلك بعدة أدلة شرعية، منها قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ"، فهذا أمر من الله عزّ وجلّ بالوفاء بالعقود، وهو عام يشمل جميع أنواع العقود إلا ما نهى عنه الشارع، ويدخل فى هذا العموم عقدُ التأمين، كما استدل بما رواه الإمام أحمد من حديث عمرو بن يثْربِى الضمرِى، رضى الله عنه قال: شهدتُ خُطبة النبى صلى الله عليه وآله وسلم بمنًى، وكان فيما خطب: "وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ"، فنهى النبى صلى الله عليه وآله وسلم عن أخذ مال الغير بالباطل إلا أن يعطيه بمحض اختياره وطيب نفس منه، وهكذا هو التأمين، ففيه يتراضى الطَّرَفان على أخذ المال على وجهٍ معين، فيكون حلالًا.

أما عن رصد جوائز ماليةٍ بطريق القرعة بين مشترى الشهادة، فأوضح مفتى الجمهورية أنها مبادرةٌ تشجيعيةٌ للأفراد على الاكتتاب فى مثل هذه الشهادات، وتتميز هذه الجوائز بأنها تُمنح نتيجة سحبٍ ربع سنوى يدخل فيه أصحاب هذه الشهادات، مع استبعاد الفائزين من السحوبات المستقبلية، ويُقسم إجمالى تكلفة هذه الجوائز على جميع الأطراف المشاركة من البنوك وشركة مصر لتأمينات الحياة.

وأوضح أن هذه الصورة من التعامل داخلةٌ فى نطاق الوعد بجائزةٍ الذى أباحه بعض الفقهاء، والأصل فيها أن تكونَ هادفةً وتعودَ على المجتمع بالنفع العام وتحقق فيه الخير والنماء، وأن تكون بعيدةً عن القمار والميسر والمراهنة والتدليس والغرر أو الجهالة، وبشرط أن تكون الجائزةُ من أموال المنظمين لهذه المسابقة أو من أى جهةٍ تقدمها للفائزين، ولا يجوز باتفاق الفقهاء أن يكون مال الجائزة من جميع المتسابقين، بأن يدفع كلٌّ منهم القليل ليحصل بعضهم على الكثير الذى يشمل ما قام بدفعه هو وما دفعه غيره من المتسابقين، لأن ذلك من باب المراهنة والمقامرة والميسر الذى نهى عنه الإسلام فى قوله تعالى: "يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنصابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".

واختتم مفتى الجمهورية فتواه بأن "شهادة أمان المصريين" هى شهادةٌ ادخاريةٌ يقصد المشترى من شرائها الادّخار والانتفاع بما تقدمه من عائدٍ أو تأمين، وأن الجائزة التى تقدمها البنوك المشترِكة فى إصدار هذه الشهادة ومعهم شركة التأمين بغرض التشجيع على الشراء إنما هى من خالص أموالها ولا يتحملها المشترى من قيمة الشهادة المدَّخرة، مؤكدًا أن كل ذلك جائز شرعًا.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً