عباس شومان
قدم وكيل الأزهر، شرحا موجزا عن الدور الذى يقوم به الأزهر فى كافة المجالات ومنها، الدور الداخلى للأزهر ومسؤوليته عن تعليم اللغة العربية وأمور الدين والشأن الدعوى، وهناك مهام خارجية، لكون الأزهر هو مرجعية للفكر الإسلامى الوسطى المعتدل، وعليه واجب الاهتمام بقضايا المسلمين فى العالم وتصحيح الصورة المشوهة التى يريد البعض إلصاقها بالإسلام.
وأوضح شومان، أن الأزهر أعاد النظر فى المناهج التعليمية المقررة فى مرحلة التعليم قبل الجامعى لتواكب العصر ومستجداته، واستحدث مقررًا تعليميًّا بعنوان الثقافة الإسلامية يرسخ مبدأ المواطنة، ويعزز مفهوم الانتماء الوطنى، ويكشف زيف الفكر المتطرف، كما استحدث الأزهر عددًا من الأدوات التى تعاون هيئاته التقليدية وتواكب المستجدات الحديثة، ومنها مرصد الأزهر باللغات الأجنبية الذى يجابه عصابات التطرف والإرهاب بنفس وسائلهم ولغاتهم، حيث كانوا يسرحون ويمرحون فى الفضاء الإلكترونى وحدهم قبل أن ينازلهم شباب الأزهر فينا ما حسبوه حكرًا لهم ويحموا الشباب من الانخداع بشعاراتهم والوقوع في براثنهم، ومن تلك الأدوات الحديثة أيضًا مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية الذى يجيب عن أسئلة الشباب ويزيل الشبه التى تلتبس عليهم باستخدام وسائل الاتصال والتواصل الحديثة.
وتابع: "لقد عقد الأزهر الشريف فى السنوات الأخيرة عددًا من المؤتمرات التى خرجت بتوصيات مهمة تدعم نسيج الوطن الواحد، وتدعو لقبول الآخر والعيش المشترك فى ظل المشتركات الإنسانية الكثيرة التى لا تختلف باختلاف الديانات ولا بتعدد المذاهب في الدين الواحد، وتنفيذًا لهذه التوصيات عمليا أنشئ بيت العائلة المصرية الذى يجمع شركاء الوطن مسلمين ومسيحيين فى كيان وطني يقع مقره فى قلب مشيخة الأزهر، ويتناوب على رئاسته شيخ الأزهر وبابا الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، ويتفرع عنه لجان للتعليم والثقافة والشباب والمرأة، وتنتشر فروعه فى معظم محافظات الجمهورية، ولا يخفى على المتابع المتجرد عن العصبية والهوى ما حققه من إنجازات على الصعيد الوطنى، بل تجاوزت جهوده حدود وطننا فوصلت إلى أفريقيا الوسطى وأنجزت مصالحة كبرى بين الفرقاء هناك.
وأضاف شومان، أن الأزهر قدم الكثير لمجابهة ظاهرة الإسلاموفوبيا، ولتصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام ، وقد شارك الأزهر فى كثير من المؤتمرات الدولية ذات العلاقة بالشأن الإسلامى التي عُقدت فى كثير من دول العالم شرقًا وغربًا، وانطلقت جولات تاريخية لشيخ الأزهر جاب خلالها عددًا من الدول ذات التأثير فى العالم، والتقى عددًا من الشخصيات الفاعلة فى صنع القرار العالمى، وألقى كلمات مهمة فى عدد من البرلمانات والجامعات العريقة فى العالم، وزار عددًا من الكنائس الشرقية والغربية وعلى رأسها الفاتيكان، وقد كان من ثمرات تلك الزيارة التاريخية استئناف الحوار بعد طول انقطاع، واستقبال مصر والأزهر بابا الفاتيكان فى زيارة تاريخية شارك خلالها بكلمة تاريخية مهمة فى مؤتمر الأزهر العالمى للسلام الذي عُقد فى أبريل 2017م، واستقبل الأزهر وفودًا من الشرق والغرب لبحث سبل التعاون وتعزيز الشراكة فى المجالات الدينية والفكرية والعلمية وغيرها، وعقدت فى قلب مشيخة الأزهر ندوات حوار وورش عمل بين شباب الأزهر وممثلين لمجلس الكنائس العالمى، وجاب مجموعة من شباب الأزهر"سفراء الأزهر" من خيرة الشباب العالم فى قوافل سلام تهدف إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام في بلاد الغرب ومجابهة ظاهرة الإسلاموفوبيا المتنامية هناك، بالإضافة إلى جهود مركز الترجمة الذى يقوم بترجمة الكتب التى تبرز صحيح الإسلام، حيث وصل عدد الكتب المترجمة إلى أكثر من 150 كتاب.
وشدد شومان، على أن الأزهر لا ينطلق لخدمة أى أفكار سياسية ولكنه ينطلق لخدمة الدين، مبينًا أن عصابات التطرف دلست العديد من المفاهيم والمصطلحات الشرعية بتفسيرها بما يتفق وتحقيق أهدافهم الخبيثة، كادعاء صيغة معينة للحكم تتمثل فى نظام الخلافة الإسلامية الذى كان سائدًا فى القرون الأولى من تاريخ الإسلام، قبل أن تستبدل بهذا النظام أنظمة حكم حديثة، تتنوع بين ملكية وأميرية وسلطانية ورئاسية، وكلها أنظمة مقبولة فى شريعتنا، ولا يوجد في شرعنا ما يدل على لزوم نظام حكم معين، فمسألة الحكم من أمور السياسة التى تخضع لما يوافق رغبات الناس وما يستقرون عليه فيما بينهم.
وردًا على سؤال من أحد الحضور حول لماذا لم يكفر الأزهر داعش؟ قال وكيل الأزهر يحلو لكثير من الناس الانشغال بقضية التكفير، غير مدركين خطورة الأمر وما يترتب عليه من ضرر يلحق بعقيدتهم جراء الإقدام عليه، مع أنهم لم يكلفوا به ولن يحاسبوا على ترك الخوض فيه، بل الخطر العظيم يكمن فى خوض غماره وإصدار أحكام الكفر على الآخرين، ويعتب بعضهم على الأزهر الشريف وينتقده آخرون لعدم تكفيره لتلك العصابات الإرهابية التى زلزلت أمن المجتمعات ونشرت الفزع بين الناس، وفي مقدمتها تنظيم داعش المجرم الذي عاث فى الأرض فسادًا وتجاوز أفعال عتاة المجرمين بمراحل يصعب حصرها، والحقيقة أن الأزهر الشريف لا يصدر الأحكام الشرعية إرضاء للأهواء أو دغدغة للمشاعر، ولكنه بصفته مؤسسة علمية فى الأساس ينطلق فى تناوله للقضايا من منطلقات علمية مستنبطًا الرأى الشرعى فيها.
وأَوضح وكيل الأزهر، أنه بعيدًا عن الولوج فى درب التكفير الذى لا طائل منه، ركز الأزهر اهتمامه على كيفية التعامل مع هذه العصابات التى تسلك مسالك الإجرام وتسفك الدماء وتنتهك حرمة الأعراض والأموال، وبيّن أنها جماعات مفسدة في الأرض محاربة لله ورسوله، وأنه يجب كف شرها عن الناس والتصدي لها فكريا وأمنيا وعسكريا إذا لزم الأمر، وأن مواجهتهم، ولو كانت بالقتال المفضى لقتلهم جميعًا واجب وضرورة، وذلك لأن جرائمهم تدخل في نطاق قول الله تعالى" إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ".
وأكد شومان، أن إثارة قضية التكفير لا طائل منها إلا المزيد من اللغط وتعريض العقائد للضرر، ولذا يجب ترك أمر التكفير إلى القضاء يحكم به متى تثبت من أمر من يكفره ووجده مصرا عليه، أما الجماعات الإرهابية كداعش ومن على شاكلتها من الجماعات التي تعيث فى الأرض فسادًا، فقد أجاز لنا شرعنا ردعهم ولو باستباحة دمائهم إذا لم يندفع شرهم إلا بذلك، ولسنا في حاجة إلى الخوض فى قضية التكفير التي لن تدفع عنا شرهم، بل ستضر بنا وبالمجتمع كله لخروجنا على قواعد وضوابط شرعنا من ناحية، وإغراء أنصاف العلماء بالتوسع فى إصدار أحكام الكفر على الآخرين من ناحية أخرى، ولا شك أن الرابح من ذلك كله هو داعش وأخواتها لا غير.
وبعد انتهاء اللقاء، زار وفد كلية الدفاع الوطنى مركز الأزهر العالمى للرصد والفتوى الإلكترونية للتعرف على آلية عمله، وأبرز الإصدارات والتقارير التى يعدها، وأشاد الوفد بالمركز، مؤكدين أنه يشكل نقلة حضارية مميزة فى محاربة ومواجهة الجماعات المتطرفة، لأنه يقابل الفكر بالفكر، ويعمل على تجفيف منابعها الفكرية ومنعها من استقطاب اتباع جدد.