وزير التموين والتجارة الداخلية
وأوضح أن أهم أسباب التحول من الدعم العينى إلى النقدى تتمثل فى أن الدعم سيصل لمستحقيه فقط، مشيرا إلى أن هذه الميزة هى الأكثر وضوحا وإقناعا (وشعبية)، إذ أن أكثر المتحمسين لآلية الدعم الحالية لا ينكر أن جزءا كبيرا منه يصل إلى غير المستحقين وأن هناك قدرا من العشوائية فى التوزيع، وفى المقابل فإن توزيع الدعم بشكل نقدى يضمن وصوله مباشرة إلى المستحق له دون غيره.
وأضاف أن تطبيق هذا النظام سيوفر تكلفة أقل لتوزيع الدعم، إذ أن لدينا اليوم وزارة للتموين يعمل بها آلاف الموظفين وينفق عليها ملايين الجنيهات سنويا تكاد تنحصر مهمتها فى التنظيم والرقابة على آلية توزيع الدعم العينى، هذا فضلا عن التكلفة غير المباشرة التى يتحملها الجهاز الشرطى والقضائى لمعاونة الوزارة فى أداء عملها.
وأشار إلى أنه يمكن توفير هذه المصاريف إذا قدمنا الدعم بشكل نقدى للمواطنين، حيث إن كل ما نحتاجه هو أن يقدّم المواطن إقراره الضريبى السنوى، وهو سيفعل ذلك على أى حال، لكى نحدد المستحقين ومقدار ما يستحقونه، ثم نرسل لهم الأموال عبر البريد أو بتحويلات بنكية مباشرة".
وقال إنه من بين الأسباب أيضا تقليل الهدر والفساد، حيث إنه رغم الجهد المبذول لمنع تسرّب السلع المدعومة إلى خارج المنظومة فإن ذلك يحدث بنسبة لا يستهان بها، وهناك مبدأ اقتصادى معروف: "ما أن تكون للسلعة الواحدة أكثر من سعر فى السوق ستنشأ على الفور سوق سوداء لها، حيث سيستغل البعض فرق السعر لتحقيق مكسب سهل وسريع، ومهما وضعت من قيود واتخذت من إجراءات رقابية فإن هؤلاء سيجدون طرقا لتجاوزها (مثلا: رشوة مفتشى التموين)، وسينتهى فارق السعر (الدعم) فى جيوب منظومة الفساد بدل أن يصل الى المواطن، مؤكدا أن السبيل الوحيد لإغلاق حنفية الفساد والهدر هو إنهاء وجود تلك الفرصة لتحقيق مكسب غير مشروع من الأساس عن طريق توزيع الدعم نقديا".
وأضاف أن من بين الأسباب تقليل الاستهلاك، حيث تقوم فكرة الدعم العينى على مبدأ بسيط، كلما استهلكت أكثر كلما حصلت على دعم أكبر من الدولة، لو أن الدولة تدعم رغيف الخبز بـ 20 قرشا فإن من يشترى خمسة أرغفة سيحصل على دعم بجنيه واحد ومن سيشترى 20 رغيفا سيحصل على دعم بأربعة جنيهات، حتى لو لم يكن الحصول على حصة أكبر من الدعم هدفا فى حدّ ذاته فإن تقديم السلع للمستهلكين بسعر رخيص سيشجعهم على مزيد من الاستهلاك وسيقضى على الحافز للاقتصاد والترشيد، الكهرباء مثالا ساطعا، مشددا على أنه فى ظل نظام الدعم النقدى فإن المستهلك يدفع التكلفة الحقيقية للسلعة وبالتالى سيكون نمط استهلاكه أكثر رشادة ومسؤولية.
وتابع النائب قائلا: "إن الدعم النقدى سيمنح حرية الاختيار للمستهلك، حيث تقوم الدولة بدعم سلع محددة وترى أنها بذلك تحقق أكبر منفعة للمستفيد من الدعم، وعلى سبيل المثال سلّة السلع التموينية التى تشمل كميات محددة من السكر والشاى والأرز والزيت، لم يتوقف أحد ليسأل نفسه، لماذا هذه السلع بالتحديد وبهذه الكميات تحديدا؟ لماذا الأرز وليس المكرونة مثلا؟ لماذا الشاى وليس الحلبة مثلا؟ هل السكر أكثر فائدة من الملح؟ هل لو منحنا المواطن قيمة الدعم نقدا سيشترى الجميع السلع ذاتها؟ الإجابة بالطبع هى لا، والتى تعنى أن الدعم العينى لا يحقق للمواطن أكبر استفادة ممكنة ولا يلبى أولوياته الحقيقية، والأمر ذاته ينطبق على أشكال الدعم الأخرى، لو قدمنا الكهرباء للمواطن بتكلفتها الحقيقية ومنحناه قيمة الدعم نقدا فما أدرانا أنه لن يستهلك مقدارا أقل ليستغل الدعم فى شراء كراسة لابنه أو دواء لزوجته، بالبلدى كده: أعطوا المواطن حقه "ناشف" واتركوه ينفقه كما يشاء ولا تنصبوا أنفسكم أوصياء عليه".
وأوضح أن هناك سببا آخر يتمثل فى أن الدعم النقدى سيوفر تخصيص أفضل للموارد على المستوى الوطني، حيث تقوم الدولة بدعم القمح مرتين: مرة عبر شرائه من الفلاحين بأسعار أعلى من السعر العالمى ومرة ثانية بتقديمه للمستهلك بسعر يعادل جزءا بسيطا من تكلفته، لافتا إلى أن القمح، مقارنة بمحاصيل أخرى كالبطاطس، محصول مكلّف ماليا ومائيا ومن الصعب تحقيق الاكتفاء الذاتى منه وبالتالى ستظل هناك حاجة لاستيراده.
وأضاف: "ما الذى سيحدث لو توقفت الدولة عن دعم القمح بشكل عينى؟ ببساطة سينخفض الطلب عليه ويزداد على سلع بديلة كالبطاطس والشعير وبالتالى سترتفع أسعارها وتزداد المساحات المزروعة منها، وفى الوقت ذاته ستنخفض الحاجة لاستيراد القمح وينخفض سعره، أى أن السوق سيعمل بكفاءة وسيتم تخصيص الموارد المحدودة بشكل أفضل لتحقيق احتياجات المجتمع بأقل تكلفة بدلا من التشوهات الاقتصادية الناشئة عن فرض سعر مصطنع لسلعة بعيد جدا عن تكلفة إنتاجها الحقيقية".
وأشار النائب إلى أن هناك سببا آخر يدفعنا للدعم النقدى يتمثل فى إمكانية استغلال الدعم كحافز، قائلا: "إذا أردت تقديم دعم نقدى للأسر الفقيرة التى لديها أطفال فما رأيك أن تربط الحصول على هذا الدعم باستمرار الطفل فى المدرسة، ألن يقلل ذلك من نسب التسرب المبكر من الدراسة؟ وما رأيك أيضا أن تجعل الدعم الإضافى الذى يحصل عليه الطفل الأول فى الأسرة أكثر من الثاني، والثانى أكثر من الثالث، وهكذا، ألا يمكن أن يكون ذلك عاملا مساعدا على تنظيم الإنجاب؟ وماذا عن منح دعم إضافى (أو إعفاء ضريبي) لمن يعمل من الزوجات والأبناء، ألن يقلل ذلك من نسب الإعالة فى الأسر المصرية ويحسن أحوالها؟ هذه مجرد أمثلة قليلة لما يمكن أن تحققه إن ربطت حصول المواطنين على دعم نقدى بسلوكيات إيجابية. طبعا كل تلك الأمثلة لا يمكن تحقيقها فى ظل منظومة الدعم العينى العشوائى التى نطبقها حاليا".
وأضاف أن آخر الأسباب يتعلق بإحساس المواطنين بقيمة الدعم، حيث من الصعب إقناع المواطن العادى بأن الدولة تنفق أكثر من 4000 جنيه سنويا فى المتوسط على صورة دعم عينى لكل مواطن صغيرا أو كبيرا، رجلا أو امرأة أو طفلا، غنيا أو فقيرا، فى النهاية هو لا يرى هذا المبلغ فى حسابه البنكى ويعتقد أن معظمه يسرق أو يهدر بلا جدوى، هناك استهانة تامة بقيمة ما يحصل عليه المواطن من الدولة على صورة دعم وإحساس عام بأنه حق مكتسب لا يكلف شيئا، وعلى الجانب الآخر هناك انفصام كامل بين تقدير المواطن لقيمة السلعة التى يحصل عليها وبين تكلفتها الحقيقية فى السوق العالمية، إن أردنا أن نخرج المواطنين من مرحلة (عيال الحكومة) إلى أن يكونوا أشخاصا كاملين.