البث المباشر الراديو 9090
محمد متولى الشعراوى
فى 17 يونيو من العام 1998، رحل عن عالمنا الشيخ محمد متولى الشعراوى بعد حياة مليئة بالاجتهاد والصبر والمثابرة.

فهو الرجل الأهم فى الحياة الدينية العصرية، نظرا لجهده الكبير فى تفسير القرآن الكريم، ذلك التفسير الذى صار ملهما لمئات الرسائل الجامعية والأكاديمية فى الوطن العربى، والتى حاولت دراسته بنوع من التعمق لإخراج مكامن القوة فيه، ومواطن الجدل كذلك.

الرجل علامة عصره، لا شك فى هذا، ولعله نال شهرة لم ينلها آخرون سبقوه، وربما يكتب التاريخ فيما بعد أنه إمام القرن العشرين دون منازع أو منافس، خصوصا بسبب تجديده المستمر، ونظرته المختلفة لكل منجزات العصر الذى عاش فيه، وهو ما لم يتوفر للكثير من الأئمة قبله، وكذلك نظرته الواسعة غير المنغلقة على اتجاه أو تفسير أو مذهب بعينه، وكذا اعتماده على "استفتاء قلبه" أولا، ما أضفى عليه صفة الحداثة النسبية والمرونة فى التعامل مع القضايا الفقهية التى أفرزها عصره.

الأدب والفنون فى حياته

الشعراوى يعرف الأدب على أنه "فن رفیع من الفنون الجمیلة الأربعة التى جعلها الله أداة التعبیر عن الأحاسیس والخواطر ووسیلة البیان عما یحتمل فى النفس المرهفة من الانفعالات والمشاعر"، ويضيف فى كتاب صابر عبد الدایم، دیوان الإمام الشیخ محمد متولى الشعراوى أن "الأدب سید هذه الفنون وأجمعها، وأرفعها رسالة وأبدعها، والأدب فى نفوس الموهوبین میلاد، فهو یبذر فیها مواهب، ویبلغ أشده ریاضة".

وعندما سُئل "هل الدعوة الإسلامیة تحتاج إلى الأدیب الداعیة؟ أم إلى الداعیة الأدیب؟"، أجاب: "الدعوة الإسلامیة فى حاجة إلى الداعیة الأدیب لأنه یميل الناس إلى الدعوة، ویحسن عرض المطلوب الدینى بالأدب المستمیل المطرب المعجب المقنع الممتع".

وللشعر مكان بارز فى حیاة الشیخ العلمیة والفكریة والثقافیة، فعرفه وحدد معالمه وضوابطه ومارسه كتابة وإبداعاً، حيث قال: "الشعر فن له أصوله وقواعده لم یخرج عن كونه مجرد إلهام، تبرزه دقة التصویر وسمو الخیال إلى عالم الحس حسبما توحیه العاطفة ویفطن له الوجدان".

كتب الشعراوى بالتأكيد فى مجال القصائد الدينية الكثير، منها مثلا قوله فى ليلة الإسراء:

یا لیلة المعراج والإسراء.. وحى الجلال وفتنة

العلم أجمع أنت سر نواته.. وبما حباك الله ذات رواء

لكنه كتب أيضا فى الميدان السياسى فقال فى ذكرى ميلاد حزب الوفد:

عیـد الجهاد وأنـت عنوان الدم.. لا زال مرك كل عام ملهمى

أنهكت من أجل الضحايا أمة.. أسبلت من برد الخلود على الدم

للشيخ الشعراوى موقف رائع من طه حسين، فقد كتب فيه قصيدة طويلة أظهر خلالها أنه لا یتعصب للمناهج والطرق القدیمة فى الأدب والمعرفة والعلم، ولكنه یرى فى طه حسین نموذجا لالتقاء الحضارتین؛ حضارة الشرق وحضارة الغرب، ویرى فى فكره جسر یصل ما بین القدیم والجدید والموروث والمعاصر.

أما الموسيقى فكان الشيخ يرى أنها لغة الأنامل التى تنتج أنغاما ألحانا وتنطق إلهاما وأشجانا.

التفسير اللغوى

كثير من العلماء يؤكدون أن إنجاز الشعراوى (المولود فى 15 أبريل من العام 1911) الحقيقى هو تفسيره للقرآن الذى اعتمد فيه على اللغة اعتمادا كبيرا، بل يجزمون أنه صاحب مدرسة مهمة فى هذا الأمر، حيث ظهرت العديد من الدراسات الأكاديمية التى حللت ودرست تفسيره الكبير، واستخرجت منه دلالات تؤكد صحة هذا الطرح.

ومن هذه الدراسات، أطروحة العيد علاوى للدكتوراة والمسماه "التفكير اللغوى عند الشيخ محمد متولى الشعراوى.. دراسة فى تفسيره، وهى الدراسة التى قام فيها الباحث باستخراج نصوص ومضامين تؤكد العناية الفائقة التى كان يوليها الشعراوى فى تفسيره للغة.

ولأننا فى شهر رمضان الكريم، لنر كيف تعامل الإمام الكبير مع هذه الكلمة خلال بحثه فى أصول الكلمات العربى، حيث قال فى تفسيره إن كلمة رمضان مأخوذة من مادة (الراء- والميم- والضاء)، وكلها تدل على الحرارة، وتدل على القيظ "ورمض الإنسان"، أى حر جوفه من شدة العطش، و"الرمضاء"، أى الرمل الحار، وعندما يُقال "رمضت الماشية" أى إن الحر أصاب خفها فلم تعد تقوى أن تضع رجلها على الأرض، إذن فرمضان مأخوذة من الحر ومن القيظ، وكأن الناس حينما أرادوا أن يضعوا أسماء للشهور جاءت التسمية لرمضان فى وقت كان حارا، فسموه رمضان، كما أنهم سموا مثلا "ربيعا الأول وربيعا الآخر" كان الزمن متفقا مع وجود الربيع، وعندما سموا "جمادى الأولى وجمادى الآخرة" كان الماء يجمد فى هذه الأيام، فكأنهم الحظوا الأوصاف فى الشهور ساعة التسمية.

مثار للجدل

عدد من المواقف فى حياة الإمام (الذى ولد فى قرية دقادوس بمركز ميت غمر) أثارت الجدل حوله، نكتفى هنا بثلاثة مواقف تبين قدر الخلط بين الدين وأمور الدنيا؛ الأول هو موقفه من اعتزال الفنانة شادية بعد لقائها به، حيث تحدث الدكتور محمود جامع فى كتابه "عرفت الشعراوى" عن تفاصيل اللقاء، وقال "الفنانة شادية كان لقاؤها الأول مع الشيخ الشعراوى هو لقاء مصادفة فى مكة المكرمة، عندما نزلت من الأسانسير ليدخل الشيخ الشعراوى ولم يكن يعرفها، فتعرفت عليه وقالت: عمى الشيخ الشعراوى أنا شادية، فرحب بها، فقالت له: ربنا يغفر لنا، فقال لها: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك.. وأن الله تواب رحيم".

وأضاف جامع "بعد اللقاء العابر فى الأراضى المقدسة عادت شادية إلى مصر وسألت عن منزل الشيخ الشعراوى فى الحسين، وذهبت إليه وقابلته، وكانت جلسة طويلة خرجت منها شادية وقد أمسكت بطوق النجاة واتجهت إلى القرآن الكريم والصلاة والعبادة وعمل الخيرات وقيام الليل الذى تقول إنها تنتظره بفارغ الصبر، لأنها تجد فيه المتعة كل المتعة فى رحاب الله فى السَّحر، وقالت للشيخ: إن أول آية فى القرآن الكريم جذبتها هى: ادعونى أستجب لكم".

وأوضح جامع "وأشاع المغرضون أن الشيخ الشعراوى تزوج شادية، وسأله أحدهم عن حقيقة هذه الإشاعة فرد عليه الشيخ: أن زواجى من شادية شرف لا أدعيه".

أما الموقف الثانى فهو سجوده أثناء حدوث هزيمة 5 يونيو 1967، حيث قال الشعراوى فى لقاء تلفزيونى "يوم نصر 6 أكتوبر كنت فى السعودية وفى مكة المكرمة، وأنا فى الجزائر حدثت نكسة 67.. لكن من العجيب أنى استقبلتهما معا استقبالا واحدا.. هذا الاستقبال أننى انفعلت فسجدت حينما علمت بالنكسة، وحينما علمت بانتصارنا سجدت أيضا، ولكن هناك فارق بين دوافع السجدتين أما دوافع السجدة الأولى فقد نُقدت ممن حضرها وأولهم ولدى.. كيف تسجد لله وهذا علامة الشكر من نكسة أصابتنا؟".

وأضاف "قلت يا بنى لن يتسع ظنك إلى ما بينى وبين ربي، لأننى فرحت أننا لم ننتصر، ونحن فى أحضان الشيوعية، لأننا لو نصرنا ونحن فى أحضان الشيوعية لأُصبنا بفتنة فى ديننا فربنا نزهنا".

موقف الشعراوى من جماعة الإخوان هو الموقف الثالث، حيث شارك الشيخ فى صياغة بيان الجماعة الأول، وكان يعرف مرشدها الأول ومؤسسها حسن البنا، لكنه كان يعيب على الأجيال التى لحقت به، تعجلها فى الوصول إلى السلطة.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز




آخر الأخبار