البث المباشر الراديو 9090
البابا تواضروس الثانى
ألقى قداسة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، عظته الأسبوعية، مساء اليوم من كنيسة السيدة العذراء مريم والأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بحضور مجموعة من الآباء الأساقفة والكهنة وشعب الكنيسة.

وينشر "مبتدا" نص عظة البابا الأسبوعية، كالتالى:

إن الطلبات التى قيل عنها فى الكتاب المقدس "كل حين" الصلاة والشكر والفرح كل حين، والشكر فى كنيستنا نعبر عنه فى "صلاة الشكر"، ومن مميزات هذه الصلاة أنها تُصلى بصيغة جماعية ويصليها كل الناس ونشكر ربنا على كل ما يقدمه لنا.

هذه الصلاة تبدأ بسبع نِعم يعطيها الله لنا، يعطيها لنا مهما كان حالنا ونشكره على هذه السبع نِعم، وسوف نتأمل فى هذه النعم السبعة خلال الأسابيع القادمة، "فلنشكر صانع الخيرات.. لأنك سترتنا وأعنتنا وحفظتنا وقبلتنا إليك واشفقت علينا وعضدتنا وأتيت بينا إلى هذه الساعة" هذه النِعم يجب أن يشعر بها كل إنسان ويشعر بقيمتها وأهميتها فى حياة كل واحد فينا.

نتأمل فى النعمة الأولى نعمة الستر:

نشكرك لأنك سترتنا، أحد الصفات التى نصف بها إلهنا أنه الله الساتر الذى يستر، وستر الله لا يوجد فى مفردات اللغة، فلا توجد كلمات تقدر أن تصفه، يستر علينا كلنا ولا يستطيع إنسان أن يقف أمام الله ويقول أنه لا يحتاج للستر، حتى الذين يعيشوا فى الخطية والبعيدين وحتى الذين ينكرون وجود الله، الله يستر عليهم حتى الناس الذين قلوبهم فارغة من كل شئ والذى يستخدم لسانه فى استخدامات شريرة، الله يستر عليه حتى الحرامى عندما يسرق يقول ربنا يستر، وفى التقليد الشعبى نجد أن كل ما يريده الإنسان هو الستر والصحة، ولا نعرف أن نحصر كم مرة ستر الله علينا، لكن داود النبى يقول فى مزمور 17: "احفظنى مثل حدقة العين بظل جناحيك استرنى"، ويقول فى مزمور 64 "استرنى من الأشرار من مؤامرات الأشرار من جمهور فاعلى الإثم".

أولا: لماذا يستر الله علينا ؟

الله الذى خلقنا وأعطانا نعمة الحياة يستر علينا لثلاث صفات فيه:

1.هو واهب الغفران.

2.لأنه كلى المحبة.

3.لأنه نبع الأبوة .

أولا: الله يستر علينا لأنه واهب الغفران :

هو الذى غفر لنا (من يغفر خطية الإنسان إلا الله الذى خلق الإنسان) فجاء الله "الكلمة صار جسدا وحل بيننا" تجسد الله ثم الصليب والخلاص والفداء كان من أجل غفران خطية الإنسان وإلا يوجد شئ آخر أو إنسان آخر يستطيع أن يغفر خطيئة الإنسان لذلك ربنا يستر علينا "تبتهج نفسى يا إلهى لأنه قد ألبسنى ثياب الخلاص وكسانى رداء البر"، وكسانى تعنى ستر الله على، وستر الإنسان يأتى من أيام آدم وخطية، آدم وحواء بدأت باللسان والشهوة ودخلت الحية من هذا الباب وانزلق الإنسان وكسر الوصية وفى سفر حزقيال يشبه النفس البشرية بالإنسان الملقى فى الشارع ويريد من يأتى ويستر عليه "فَمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ، وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الْحُبِّ، فَبَسَطْتُ ذَيْلِى عَلَيْكِ وَسَتَرْتُ عَوْرَتَكِ، وَحَلَفْتُ لَكِ، وَدَخَلْتُ مَعَكِ فِى عَهْدٍ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَصِرْتِ لِى." (حز ١٦: ٨).

وكأن النفس البشرية من أيام آدم صارت كالإنسان الملقى فى الشارع وفقد كل شئ وصار حاله صعب جدًا: وفى سفر القضاة بنى إسرائيل عندما تحدث لهم مشكلة يختاروا قاضى (مخلص) فيحل المشكلة ثم يعودوا للخطية مرة ثانية وهكذا حياة الإنسان، وكذلك داود النبى وخطيته المشهورة مع امرأة اوريا الحثى وتاب عنها فيقول: "استر وجهك عن خطايا وامحوا كل أثامى"، هذا هو الله واهب الغفران للإنسان.

من الأمثلة المشهورة "المرأة الخاطئة فى بيت سمعان الفريسى"، وكان سمعان معجب بنفسه ودخلت المرأة وانحنت وسكبت دموعها وقدمت توبة، سمعان يقول "لو كان هذا نبيًا لعرف أن هذه المرأة خاطئة" والإنجيل يقول إن السيد المسيح غفر لها وستر عليها، لأنها أحبت كثيرًا وصارت مثال ونصلى بهذه القطعة فى نصف الليل.

ثانيا: يستر علينا لأنه كلى المحبة:

الله محبة أى أن تفصيل شرح الله أنه محبة دائمة وحركة دائمة، فى محبته يستر ويعلن هذه المحبة وتجلت مع يعقوب ومع إيليا، ومحبة الله فياضة ليس لها حدود.

ثالثا: الله يستر علينا لأنه نبع الأبوة:

نقف دائما ونقول "يا أبانا الذى فى السموات" وعندما نرشم شماس ويصير كاهن يصبح أبونا، كلمة الأبوة مفتاح الله هو نبع الأبوة ونحن نستمد هذه الأبوة من الله والأبوة فى أصلها ومعناها هى الستر والحماية، أروع مثال فى الكتاب يشرح لنا الأبوة مثل الابن الضال وكيف أن هذا الابن الذى أخطئ كل هذه الخطايا عندما عاد وجد أحضان أبيه مفتوحة"، وإذا كان لا يزل بعيدًا رأه أبوة فتحنن ورقد ووقع على عنقه وقبله "الأب يستقبل الابن ويقدم له الهدايا ويذبح العجل المثمن ولكن الأهم يقدم له الحضن ويقبله ولا يتأفف منه ولكن نرى فى نفس القصة موقف الأخ الكبير فاقد الأبوة ويتكلم على أخيه بكلمات ردية"، ابنك هذا الذى أكل معيشتك مع الزوانى" وفضح أخيه وكأنه يقول لأبيه أنك لم تحسن تربيته، لكن الأب ستر ورجع ابنه إلى رتبته الأولى، مثال آخر المرأة السامرية هذه الإنسانة سميت باسم بلدها فستر عليها ولم يذكرها بالاسم حتى لا يفضحها.

وكان الحوار معها كله ملىء بالستر والحنان والعذوبة وبدل هذه الإنسانة التى كانت بعيدة جدًا وجعلها قديسة وكارزة، ستر عليها و دخل المسيح إلى أعماقها من خلال الاحتياج وقادها إلى توبة وتصير إنسانة كارزة وهذا دور الله للإنسان.

ونأتى لدور الإنسان نحو أخيه الإنسان، الله يستر على الخليقة كلها صباحًا ومساءً وفى الأديرة يُصلى صلاة الستار ، ستر الإنسان على الإنسان "لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِى فِى عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِى فِى عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟" لا تستطيع أن تستر على أخيك وتفضحه فى حين أن لسانك قد يضيعك ويفقدك الأبدية وهذا الجزء يبدأ "لا تدينوا لكى لا تدانوا" مثال قصة الراهب الذى لا يدين وكان فرح وقت وفاته.

ستر الإنسان على الإنسان:

1.ستر خصوصيات الآخر:

كل واحد فينا له عائلة وأصدقاء ومعارف، ليس لك الحق فى نقل خصوصيات الآخر ونقل أخباره، أيها الحبيب هل تستطيع أن تستر الآخر ؟ ويجب على المتزوجين أن يحافظوا على خصوصياتهم "بكلامك تتبرر وبكلامك تدان" مثال المرأة التى أمسكت فى ذات الفعل والناس يريدون أن يرجموها ولا ينظروا لخطيتهم، أما السيد المسيح فعالج الأمر بمنتهى الستر "جلس على الأرض وكتب"، وبعض الآباء يقولوا أنه كتب خطيتهم وعندما رأوا خطيتهم انزلوا الحجارة ومضوا "وقال إما دانك أحد اذهبى ولا تخطئ" وانتهت القصة.

2.حفظ خصوصيات سر الاعتراف:

سر الاعتراف أحد الأسرار الأساسية فى حياة كنيستنا وهو يضبط ميزان ومسار الحياة الروحية للإنسان ويضبط الطريق الروحى، وأب الاعتراف هو الكاهن والمرشد ويعرفك الطريق وكل ما نسمعه فى سر الاعتراف يجب أن يحفظ تمامًا والكاهن الذى يفشى أسرار الاعتراف يستوجب العقاب ولكن بعض الناس تعتقد أن الكاهن يفشى سر الاعتراف لأنه قال حكاية فى عظة وقالها بدون تفاصيل ولكن الناس تكون حساسة، سرية سر الاعتراف أحد صور الستر ولذلك ممارسة سر الاعتراف من أصعب الممارسات التى يمارسها الكاهن لأنه تتجمع عنده أحوال وخصوصيات آخرين، ولا يستطيع أن ينطق بحرف وأحيانًا يكون فى مأزق خطير عندما يسأله أحد فى موضوع الارتباط فيكون هناك نزاع بداخله وأنصح الكاهن أن يتحلى بالحكمة دون أن يفشى أى سر، استر على غيرك ما دمت محتاج للستر.

3.كيف نقتنى فضيلة الستر:

أ - تذكر ستر الله لك:

الله يستر علينا جميعًا ومن لا يشعر بستر الله ويشكره عليه كل يوم هو إنسان جاحد.

ب- تعلم أن تحب الآخرين مهما كانوا:

حب الجانب الحلو الذى فى الإنسان، الله عندما تحدث مع زكا والسامرية واللص اليمين اهتم بالكلمة الحسنة التى قالها، اعتبرها توبة وركز فى هذه الكلام ولم يركز فى باقى الأخطاء السابقة، " لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدا لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا" ومار أفرام السرياني"التلذذ بعيوب الآخرين يدل أننا ممتلئين بغضة" والقديس مكاريوس الكبير يقول "يا أخى أحكم على نفسك قبل أن يحكموا عليك"، والقديس موسى الأسود عندما سألوا أن يحضر محاكمة واحد من الرهبان ودخل معه شوال الرمل وقال "خطاياى تجرى وارئى واحكم على غيرى" يجب أن نعيش بهذا الكلام ونغير من سلوكنا ونعرف أن الذى يسير فى طريق السما يتمتع بنعمة الستر من الله وهو أيضا يستر على الآخرين.

ج - تعلم أن لا تدين غيرك: وقد يتسأل البعض لماذا يوجد مجالس تأديب ولكن هذا نظام فى إدارة العمل الأنبا أنطونيوس يقول: "لا تدن غيرك لئلا تقع فى ايد أعدائك" الذى يدين يقع فى نفس الخطية التى أدان عليها و"إذا ادنا أنفسنا لا يبقى لنا وقت لندين الآخرين" ليس أفضل أن يرجع الإنسان بالملامة على نفسه فى كل شىء، العبارات كثيرة جدًا فى موضوع الستر لكن خلاصة الأمر، أنك عندما تصلى صلاة الشكر تقول أشكرك يا رب لأنك سترتنا، سترت حياتى فى الماضى والحاضر وسترت أسرتى الكبير والصغير فيها وسترت على أصدقائى وعلى خدمتى وكنيستى ومجتمعى، نعمة الستر نعمة غالية حاول أن تشعر بها واستر على كل الذين تعرفهم وتعلم هذه الفضيلة، لألهنا كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد كلها آمين.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز