البث المباشر الراديو 9090
البابا تواضروس
ألقى قداسة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، عظته الأسبوعية مساء اليوم، من كنيسة السيدة العذراء مريم والأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، تحت عنوان "ثقافة التطوع".

وإلى نص العظة:

من الأشياء الجميلة التى يجب أن نزرعها فى نفوس أولادنا ونتعلمها مجموعة من الثقافات التربوية، وسوف أتكلم معكم خلال الأسابيع الآتية عن مجموعة من الثقافات التى يجب أن نزرعها فى أولادنا.

اليوم سوف أتكلم معكم عن (ثقافة التطوع) للكبار والصغار، الإنسان الذى يتطوع ويقدم من وقته وجهده وأمواله وخبرته دون أن ينتظر شئ ويقدم وهو فرحان، ويوجد فى العالم ما يسمى بالمؤسسات الخيرية وهى قائمة على متطوعين، مثل هيئة الصليب الأحمر العالمية، الذين لا يتقادون أجرا عن تطوعهم، وهذه صفة يجب أن تزرع فى الإنسان، وكل الثقافات التربوية التى نتحدث عنها جذورها من الكتاب المقدس، مثل معجزة المريض المدله من السقف لم يأخذوا أجرا عن حمله، الآيه التى تحكم هذا العمل هى "فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ" ضعها مبدأ فى حياتك، مثل الطفل الذى ذهب إلى اليوم الدراسى الأول وعندما عاد حكى لوالدته أنه كان فرحان وعندما سألته هل لعب مع الأطفال قال لا بل كنت أحرس الشنط، هذا عنده البداية وضحى باللعب فى سبيل إسعاد أصدقاءه.

المجتمعات تقوم على المتطوعين فى العالم كله، الشخصية التى فيها هذا التطوع فى الكتاب المقدس شخصية "نحميا" فى العهد القديم، كان إنسانًا يهوديًا وسبى فى بلاد بابل فى (شمال العراق وأيران)، هو أسير وبعيد عن بلده ويعمل ساقى للملك وكان يرى الملك باستمرار ولكنه يهودى وقلبه فى أورشليم رغم بعده، وفى يوم وهو يقدم للملك لاحظ الملك أن وجهه متضايق فيقول نحميا أننا قبل أن أيجب صليت وأخبر الملك عن حال أورشليم والخراب الذى بها، فأعطاه كل ما يحتاج لتعمير أورشليم، ونجح فى بناء أسوار مدينة أورشليم العظيمة (مدينة الملك العظيم) فى 52 يوما، وسوف نتكلم عن شكل التطوع الذى قام به نحميا:

1- يحب العمل: فى الكنيسة نعلم أولادنا أن يتطوعوا فى مدارس الأحد وهى شكل من أشكال التطوع، كان نحميا يحب بلده ومجرد سماعه الأخبار تطوع ليذهب حاملًا رسالة محبة، واعتبر نفسه رسالة محبة، لم يكلفه أحد ولكنه ذهب بروح المحبة، محبة لله ومحبة للناس ومحبة للمكان، ويذكرنى بقول بولس الرسول: "مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟ " هناك إحساس بالمسؤولية.

2- الاستعداد للبذل: حياة التسليم ويستطيع أن يبذل ورغم حالة المدينة الصعبة فقال العبارة الجميلة "هَلُمَّ فَنَبْنِيَ سُورَ أُورُشَلِيمَ وَلاَ نَكُونُ بَعْدُ عَارًا" ووضع خطة وقسم الشعب جزء للحراسة وجزء للبناء وكل فرد يبنى أمام بيته وأكمل بناء السور فى 52 يوما، الشطارة كيف يمنح الشخص المدبر طاقة للآخرين، لذلك قال السيد المسيح "إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ"، وبرغم أنه عندما ذهب نحميا وجد مشاكل وومجاعة ومشاكل بين الفقراء والأغنياء ولكنه بدء يسترجع حقوق الفقراء من الأغنياء ويساعدهم أن يعيشوا حياة اجتماعية بها عدالة ووضع من ماله الخاص لغذاء الشعب كل يوم وساعد فى حل المشاكل، هو إنسان يبذل حتى لو أنفق من أمواله من أجل سلام المجتمع وَلكِنَّنِى لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِى ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِى وَالْخِدْمَةَ الَّتِى أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ اللهِ".

3- الاحتمال: الطريق ليس سهل مثل الأم تريزا وهى فى عمر 20 ترهبنة وسمعت عن الذين يموتون جوعًا فى الهند وهو أصعب أنواع الموت، ورغم كل الصعوبات ذهبت للهند وكان عندها إحساس بالمسؤولية وخدمة ملايين من الناس كانوا يموتون على يدها وعندما سألوها ما الفائدة من هذا العمل؟ كانت إجابتها "يكفى أن هؤلاء الموتى يتركون الحياة فى سلام" وخدمت خلال حياتها حوالى 5 ملايين شخص وتركت أكثر من 10000 راهبة اسمهم (خدمة الأم تريزا) وهذا كله بتطوع شخص واحد، كان هناك محبة وبذل واحتمال، اتهموا نحميا بالتمرد على السلطة برغم أن معه تصريح فقال لهم "إِنَّ إِلهَ السَّمَاءِ يُعْطِينَا النَّجَاحَ، وَنَحْنُ عَبِيدُهُ نَقُومُ وَنَبْنِى" ما هذا الأصرار والشجاعة !

ويقول لهم "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَيْسَ لَكُمْ نَصِيبٌ وَلاَ حَقٌّ وَلاَ ذِكْرٌ فِى أُورُشَلِيمَ" واستهزئوا بإمكانياته الضعيفة، ويبدأ ويقول "مَاذَا يَعْمَلُ الْيَهُودُ الضُّعَفَاءُ؟ هَلْ يُحْيُونَ الْحِجَارَةَ مِنْ كُوَمِ التُّرَابِ وَهِيَ مُحْرَقَةٌ؟ وبرغم كل السخرية ولكنه لم يهتم بما يقولوا وهذه شطارة أن لا يترك الكلام يضعفه ولا يتراجع فى نصف الطريق لأنه يعرف هدفه ورسالته، واستطاع نحميا أن يبنى السور ويفرح قلبه وقلب ربنا برسالته التى أتى ليقدمها "بَلْ فِى كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِى صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِى شَدَائِدَ، فِى ضَرُورَاتٍ، فِى ضِيقَاتٍ" الخادم الشاطر الذى له مساحة صبر كبيرة "تَقَوُّوْا فِى الرَّبِّ وَفِى شِدَّةِ قُوَّتِهِ" التطوع يحتاج طاقة احتمال كبيرة، لأن كل من يقوم بأعمال التطوع الكبيرة يقابله صعاب واتهامات وشائعات وعدم تقدير، المتطوع لا ينتظر من يسقف له لأن بداخله طاقة فهو لا يحتاج وبرغم أنه يجب أن يقدر المجتمع هؤلاء، مثل الراهبة التى خدمة فى حى الزبالين فى المقطم وخدمتهم لسنين وتبنى مدارس وعيادات صحية، التطوع هو رسالة يحملها الإنسان فى قلبه ويقدمها للأخرين.

4- الصلاة: هى التى تحافظ على كل الصفات السابقة، نحميا عندما ظهر أمام الملك صلى قبل أن يتكلم "وَصَلَّيْتُ أَمَامَ إِلهِ السَّمَاءِ" كان يرفع قلبه بصلاة ويستلهم قوة الله فى كلامه وكانت النتيجة أن يساعده الملك والذن استهزئوا به "رد تعيرهم على رؤوسهم" بنى الأسوار وعمل الأبواب وصارت أورشليم درة بين المدن كلها، برغم أنه فى أثناء العمل هناك كثيرين استهزوا به والأعداء هجموا عليهم ولكنه ظل مستمر.

وكما يقول الكتاب "لاَ تَخَافُوهُمْ بَلِ اذْكُرُوا السَّيِّدَ الْعَظِيمَ الْمَرْهُوبَ" أذكر الله ضابط الكل الذى يدبر كل الأمور فى حياة الإنسان، التطوع بدون صلاة عمل ضعيف، التطوع بالصلاة عمل قوى فى كل المجالات، يقول نحميا "وَالآنَ يَا رَبُّ، انْظُرْ إِلَى تَهْدِيدَاتِهِمْ، وَامْنَحْ عَبِيدَكَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلاَمِكَ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ" لا تحبط، كما يحدث اليوم فى مصر نهضة تنموية فى كل المجالات ونراها بأعيننا من مصانع ومنشآت وتجديد الأماكن العشوائية ومشروعات تعليمية ومشروعات الطاقة والطرق، ولكن نجد من يهاجم من 6 سنوات، مثلا عند افتتاح قناة السويس قالوا إن مصر تفتتح ترعة وأنظر اليوم ماذا يحدث فى قناة السويس، احترس من الناس التى تحبط الآخرين ولا تتأثر بهم وأكمل رسالتك، وأن العمل الطوعى بدون صلاة عمل ضعيف.

5- تطوع الإنسان: لا يقع الإنسان فى الكبرياء ويقول أن الله هو الذى قام بالعمل ونحميا كان قلبه متعلق بوطنه ولم يأخذ ضرائب من الشعب وكان يحمل صفة الشفقة ولذلك نجح فى مهمته وكانت مهمة رائعة.

من فضلكم ربوا أولادكم على صفة التطوع وهذه ثقافة مهمة جدًا وكذلك الشباب والذى يقدم وقته وجهده أغلى من الذى يقدم أمواله، ويقدم خبرته وعلمه كل هذا نوع من التطوع وسواء الكنائس أو فى المجتمع يوجد ما يسمى المجتمعات المدنية معظمها تقوم على التطوع وخدمة بيوت المسنين والمغتربين وذوى الاحتياجات الخاصة والملاجئ وعندما يقوم الشباب بعملية نظافة للشارع أو الحى والأفكار لا تنتهى لكن العمل يبدأ بفكرة التطوع،

مثال هيئة الصليب الأحمر:

أسسها جان هنرى دونان سويسرى الجنسية سنة 1959، عندما وجد حرب وهناك جرحى وقتلى فأخذ مجموعة من الشباب وخدمهم وكتب جواب للحكومات الأوروبية وقامت 12 دولة بالرد عليه ومساعدته ومن هنا نشأت هيئة الصليب الأحمر، فى كل الحروب يخدم الجرحى والقتلى والمصابين دون النظر للجنسية أو الشكل أو الدين ولهم زى خاص ليكونوا معروفين وأصبحت هيئة فى العالم كله وبدأت بفرد تطوع وهكذا هيئات كثيرة.

المهم أيها الأحباء "فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ" أنصحكم تقرأوا سفر نحميا فى الأيام القادمة وتتمتعوا بالشخصية وتعرفوا قيمة التطوع وتضعوا أمامكم هذه الآية: "فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ"، نعمة الله الأب فلتكون مع جميعنا آمين.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً