الدكتور شوقى علام
وأضاف علام، خلال لقائه مع الإعلامى حمدى رزق، فى برنامج "نظرة" على فضائية "صدى البلد"، اليوم الجمعة، أن مواجهة موجة العداء والإسلاموفوبيا والإساءة إلى النبى عليه السلام التى يتعرض لها المسلمون فى الغرب يمكن أن نؤصل لمواجهتها من خلال محورين أساسيين، أولهما: الاستنكار لمثل هذه الأفعال والرفض التام لها، وكان هذا على مستوى المؤسسات الدينية ومن بينها دار الإفتاء التى اتخذت موقفًا واضحًا من هذا الأمر.
وأشار مفتى الجمهورية، إلى أن المحور الآخر يتمثل فى ضرورة ترسيخ ثقافة المؤسسية وسلطة الدولة وهى أن العقوبة على الجريمة التى ترتكب ليست حقًّا للأفراد ولكن للدولة وقانونها وسلطاتها المختلفة، وكان ذلك موجودًا منذ عهد النبى صلى الله عليه وآله وسلم.
وقال: "نحن أصحاب منهج وعلوم ومؤسسات، والفقه الإسلامى قائم على اعتبار المؤسسية وإسناد كل أمر إلى أهل الاختصاص"، لافتًا إلى أننا استفدنا ذلك من قول ربنا تبارك وتعالى: "وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا".
وأوضح أن الآية قد توحى فى ظاهرها بأنها جعلت حق العقاب للأفراد، إلا أن الإمام القرطبى رحمه الله، أوضح المعنى بأن السلطان فى حق ولى الدم يلجأ إلى القضاء للقصاص من القتلة، فالفرد ليس سلطة تحقيق ولا قصاص ولكن القاضى هو من يحقق فى المسألة ويصدر الحكم.
وأضاف: "نحن كمسلمين وفقهاء وأصحاب علم علينا أن نرجع للمنهجية فى كل شيء، ولا نرجع للعاطفة فحسب، ولذلك نجد أن الجماعات الإرهابية لديها خلل فى مفاهيمها، فقد نصبت نفسها حكمًا واستلبت حقوق الدولة فى العقاب والإذن فى القتال والجهاد، وهذه من سلطات الدولة ومؤسساتها، ولا يجوز للأفراد أن يقوموا بها حتى لا يحدث خلل فى المجتمع والحياة".
ولفت النظر إلى أن تغيير المنكر يجب أن يكون وفق ضوابط، وتوزعت هذه السلطات فى عصرنا الحديث بين مؤسسات الدولة المختلفة، موضحًا أن حديث النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، هو حديث صحيح ولكنه جاء لإيجاد نوع من الرقابة، وقد كان النبى صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بهذه المهمة باعتباره إمام الأمة.
واستدل على ذلك بما رواه أبو هريرة أن رسول الله دخل السوق فمر على صبرة طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟"، قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس، من غش فليس مني"، فقد قام النبى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله بمراقبة السوق كولى أمر يدير شؤون الأمة والمجتمع البسيط فى ذلك الوقت.
وأشار إلى أن الإمام الغزالى رحمه الله تكلم فى كتابه "إحياء علوم الدين" عن الحسبة التى هى صلب تحديد وتوزيع المسؤوليات فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، كأنه يوضح الحديث الشريف فى فهمه وتطبيقه لتلك الصفات التى ذكر أنها يجب أن تتوافر فيمن يقوم بالحسبة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، موضحًا أن المنكر هو ما لم يختلف حوله العلماء فى كونه محرمًا، أما الأمور التى يختلف فيها الرأى فلا إنكار فيها.
وأكد أن أجهزة الدولة الرقابية أصبحت فى عصرنا هى القائمة بهذه المهمة، ولا يجوز لأحد أن يتعدى الاختصاص المنوط به.
وحول قضية الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وموجات الغضب التى اجتاحت العالم لذلك، قال فضيلة المفتى: "نحزن حزنًا شديدًا لذلك ونستنكره بشدة، ويجب أن يكون ذلك دافعًا لنا للمزيد من التعلق بالنبى صلى الله عليه وآله وسلم وبالشريعة والأخلاق الإسلامية، وأن نظهر الصورة المثلى للإسلام".
واستطرد فضيلته: "لا بد أن يكون هناك حالة من النقاش والحوار حول الوضع الحالي، فعندما ننظر للفهوم المختلفة نلحظ أن هناك فهمين للنص الشرعي، الأول: فهم موروث بمنهجية منضبطة متوارثة عن العلماء، والثاني: فهم من أجل تحقيق أغراض سياسية، وقد رصدنا كل ذلك فى كتاب جديد أطلقنا عليه اسم: "التأسلم السياسى".
وأشار إلى أن دار الإفتاء بذلت جهودًا كبيرة ولا زالت تجتهد لتصحيح صورة الإسلام فى الغرب والرد على المعلومات المغلوطة حول نبى الإسلام، وما تسببت فيه الجماعات المتطرفة من تشويه له، مضيفًا أن لدى الدار أرشيفًا كاملًا لكل ما أصدرته "داعش" وغيرها، وقمنا بالرد عليه وتفنيده.
وذكر أن دار الإفتاء رصدت الانحراف الفكرى للجماعات المتطرفة وانضمام بعض المسلمين الغربيين إلى داعش، لذلك كان من ضمن جهود الدار أيضًا عقدها لمؤتمر عالمى عام 2016 تحت عنوان: "التكوين العلمى والتأهيل الإفتائى لأئمة مساجد الأقليات المسلمة فى الخارج لكى تضع أمام العالم التصور الصحيح لهذه المشكلة التى تؤرقنا جميعًا، وانتهينا إلى رسالة واضحة هى أن لغة العصر هى لغة العلم والمنهجية والتدريب الذى يحمل المضامين لخطاب دينى رشيد".
وأضاف أن الدار عقدت كذلك دورات تدريبية لدفعتين من أئمة بريطانيا لمكافحة الفكر المتطرف وإيجاد خطاب دينى مستنير وفق المنهج الوسطي، ومواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا، مؤكدًا أننا مأمورون جميعًا بأن نبلغ الإسلام إلى العالم بشكله الصحيح.
وأشار فى حديثه إلى أهمية الاندماج الفعال للمسلمين فى مجتمعاتهم الغربية، مشيرًا إلى أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم عاش فى مكة وكذلك فى المدينة المنورة وسط تعددية دينية وثقافية، وكذلك المسلمون الأوائل فى هجرتهم الأولى إلى الحبشة التى كان يحكمها النجاشى وكان مسيحيًّا حينها، وهو ما يعنى أن المسلمين الأوائل كانوا مندمجين فى مجتمعاتهم الجديدة التى ذهبوا إليها.
وفى ختام الحلقة وجه المفتى رسالة مهمة إلى المسلمين فى الغرب قال فيها: "أنا وأنتم وكل مسلم مطالبين بأن نظهر للعالمين إسلامنا بصورة حضارية تنبئ عن حقيقة الدين، ولا تستخدم لأغراض أخرى، وعليكم بالاندماج الإيجابى الفعال الذى يظهر صورة المسلم الحقيقية التى ترفض الانعزال، فليست من شيم المسلمين، بل هم فاعلون ومشاركون فى بناء الحضارة فى بلدانهم".
كما دعا مفتى الجمهورية القادة الدينيين والقادة السياسيين إلى إيجاد أرضية مشتركة لحوار متكافئ يوصلنا إلى نقطة ضوء تنكسر عليها ظاهرة الإسلاموفوبيا وخطابات الكراهية، فالحوار الذى تصدق فيه النيات فى الوصول إلى حل حقيقى هو السبيل للوصول إلى حلول لهذه القضايا العالقة.