المصافحة بعد الصلاة
وأضافت: "وعبارة "حرمًا" بعد الصلاة هى دعاء بأن يرزق الله المصلى الصلاةَ فى الحرم، فهى منصوبةٌ على نزع الخافض، والرد بعبارة "جمعًا": معناه الدعاء للداعى أن يرزقه الله تعالى مثل ما دعا به، أو أن يجمع الله الداعيَيْن فى حرمه؛ على ما يحتمله لفظ الجمع من المعانى. فهى دعاءٌ فى توددٍ وتراحمٍ وتواصل.
وتابعت الإفتاء: "وهذه المصافحة دائرة بين الإباحة والاستحباب، وقد نص جماعة من العلماء على استحبابها؛ مستشهدين بما رواه الإمام البخـارى فى صحيحه عن أَبى جُحَيْفَةَ رضى الله عنـه قَـالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ". قَالَ أبو جحيفة: "فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِى، فَإِذَا هِى أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ".
قال الإمام المحب الطبرى: "ويُسْتَأْنَسُ بذلك لما تطابق عليه الناس من المصافحة بعد الصلوات فى الجماعات، لا سيَّما فى العصر والمغرب، إذا اقترن به قصدٌ صالحٌ؛ من تبركٍ أو تودُّدٍ أو نحوه".
انظر الفتوى على موقع الإفتاء من هنا
وتابعت الإفتاء: "اختار الإمام النووى فى "المجموع" أن مصافحة من كان معه قبل الصلاة مباحة، ومصافحة من لم يكن معه قبل الصلاة سُنَّة، وقال فى "الأذكار": "واعلم أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاءٍ، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتى الصبح والعصر فلا أصل له فى الشرع على هذا الوجه، ولكن لا بأس به؛ فإن أصل المصافحة سُنَّةٌ، وكونُهم حافظوا عليها فى بعض الأحوال وفرَّطوا فيها فى كثير من الأحوال أو أكثرها لا يُخْرِجُ ذلك البعضَ عن كونه من المصافحة التى ورد الشرع بأصلها".
وأما قول بعض العلماء بكراهتها فقد عللوه بأن المواظبة عليها قد تُؤَدِّى بالجاهل إلى اعتقاد أنها من تمام الصلاة أو سننها المأثورة عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم، ومفهوم هذا التعليل أنه إذا لم يعتقد الناس ذلك فلا كراهة، والقائلون بالكراهة قد نصوا على استحباب المصافحة عقب الصلاة إذا مد المصلى يده؛ لِمَا يترتب على الامتناع عن المصافحة من الأذى وكسر خواطر المسلمين وجرح مشاعرهم، والخروج عن حد اللياقة والذوق، واستجلاب العداوة والبغضاء، ودفعُ ذلك كلِّه مقدَّمٌ على مراعاة الأدب بتجنب الشيء المكروه عندهم؛ إذ من المقرر شرعًا أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
أما وصف المصافحة بأنها بدعة ضلالة فهو كلامٌ منكَرٌ لم يُسبَق إليه صاحبُهُ، وتجرؤٌ على إطلاق الأحكام بلا دليل، وقولٌ على الله تعالى بغير علم.
واختتمت الإفتاء: "وعلى هذا؛ فإنَّ المصافحة مشروعةٌ بأصلها فى الشرع الشريف، وإيقاعُها عقب الصلاة لا يُخْرِجُها من هذه المشروعيَّة؛ فهى مباحةٌ أو مندوبٌ إليها، مع ملاحظة أنها ليست من تمام الصلاة ولا من سُنَنِها التى نُقِل عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم المداومةُ عليها، وهذا هو الذى لاحظه من نُقِل عنه القولُ بالكراهة؛ فالكراهة عنده ليست فى أصل المصافحة".
وعلى من قلَّد القول بالكراهة أن يُراعى أدب الخلاف فى المسألة ويتجنب إثارة الفتنة وبَثَّ الفُرقة والشحناء بين المسلمين بامتناعه مِنْ مصافحة مَنْ مَدَّ إليه يده من المصلين عقب الصلاة، ولْيَعْلَمْ أن جبر الخواطر وبَثَّ الألفة وجَمْعَ الشمل أحبُّ إلى الله تعالى من مراعاة تجنب فعلٍ نُقِلَتْ كراهتُه عن بعض العلماء فى حين أن جماهيرهم والمحققين منهم وعمل السواد الأعظم من المسلمين على مشروعيته واستحبابه.