النقوط - صورة تعبيرية
وقالت، على موقعها الرسمي بشبكة الإنترنت، نصًا: "جاءت الشريعة الإسلامية لتوطيد الروابط الإنسانية بين أفراد المجتمع الواحد، بل بين الإنسانية كَكُلٍّ، فكان الأمرُ بالزكاةِ، والحثُّ على الصدقةِ، والنَّدبُ إلى التعاون، والترغيبُ في التآزرِ، والحضُّ على التهادي والتواهُبِ بين الناس".
وأضافت: "قد أظهَر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم هذا المعنى ورسَّخه بقوله: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى".. متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ. متفق عليه مِن حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
واستطردت دار الإفتاء: "مِن جملة التكافل والتعاون بين الناس؛ ما يُقدِّمه بعض الناس لغيرهم من المال في المناسبات بصفة عامة، كالزواج والولادة ونحوهما، ويُعرَف بين الناس باسم "النقوط" أو "النقطة"، متابعة: "والنقوط عادةٌ مستحبةٌ، تعارف الناسُ عليها منذ القِدَم، وعمِلوا بها في مختلف الأزمان؛ لما فيها مِن التقدير المادي والمعنوي فيما بينهم؛ فأما التقدير المادي: فما يترتب عليها مِن تخفيف الأعباء المالية التي تُخَلِّفها مِثلُ هذه المناسبات، ومعاونة صاحبها وتلبية ما يحتاجه فيها مِن النفقات.. وأما التقدير المعنوي: فما فيها مِن جبر الخواطر، والمواساة، وتأليف القلوب بين الناس".
وأضافت دار الإفتاء: "ومِن أجْل هذه المعاني وغيرها: لم تكن عادة النقوط مقصورةً على عوامِّ الناس دون غيرهم، بل عَمِلَها السلاطين والأمراء في مختلف المناسبات التي كانت تحدث لهم؛ فمن ذلك: ما حكاه العلامة المَقْرِيزِي في "السلوك لمعرفة دول الملوك"، فقال: "خَتَنَ السلطانُ ولدَهُ الأميرَ ناصر الدِّين محمدًا، وعمل لختانه مهمًّا حَضَره الأُمراء، ثُم خَلَع عليهم، وأركَبَهُم خيولًا بقماش ذهب، وما مِنهم إلَّا مَن نَقَّطَ عند الخِتَان بمبلغ ذهب، فجمع النقوط، وصرف للمُزَيِّن مِنْهُ مائة دينار، وحمل البَقِيَّة إِلى الخزانة"، وعلى ذلك جرى العرف في مصر إلى يوم الناس هذا مِن غير نكير بينهم.
ولفتت الإفتاء إلى أن العلماء اختلفوا في الحكم الشرعي لـ النقوط على أقوال:
القول الأول، فهو أن النقوط يعطى بقصد الثواب، والمقصود بـ"الثواب": أن يُعطي بقصد العِوض بالمثل أو الزيادة عليه، وذلك عند حصول نظير المناسبة التي أهْدَىَ فيها أو مثلها، فهو كهبة الثواب.
أما القول الثاني، فهو أن النقوط هبةٌ محضةٌ أو هديةٌ، لا يَلزم الآخِذَ ردُّها، إلا إذا بَيَّنَ المعطي أنَّ عطاءه على سبيل القرض، ونَوَى ذلك، وصُدِّق على قوله.
بينما القول الثالث؛ هو أن النقوطَ قرضٌ يجب سدادُهُ مستقبلًا، أي: أنه يصير دَيْنًا في ذمة الآخِذ، ويجب عليه أن يَرُدَّ مثله أو قيمته إلى المعطي، فَمَتَى طالَبَ المعطي به وَجَبَ رَدُّهُ إليه، ومقتضاه: أنه مِن جُملة الدُّيون المتعلقة بالتركة عند حصول الوفاة.
ويتحصَّل مما سبق أنَّ الخلاف بين الفقهاء في التكييف الفقهي للنقوط، هل هو هبة ثواب، أو قرض، أو هدية محضة مبنيٌّ على اختلاف العرف والعادة كما هو واضح مِن سياق النصوص.
ومِن المعلوم أن الأعراف والعادات تتغير بتغيُّر الأماكن والبلدان والأشخاص والأزمان، ومِن ثَمَّ فقد قرَّر الحُكْمَ كلُّ فقيهٍ بما استقرَّ عليه العُرف في زمانه ومكانه، ووفقًا لِمَا اعتاده الناسُ في هذا الشأن وتَلَقَّوْهُ بالقبول، وكان سببًا لدوام هذه السُّنَّة الحَسَنَة فيما بينهم مِن غير نزاعٍ، ولا تبادُل لَوْمٍ ولا عِتَاب.
والذي تنصح به دارُ الإفتاء أن يتكاتف الناس ويتعاونوا في المَسَرَّات وعند نزول المُلِمَّاتِ ولو بالكلمة الطيبة، كما يستحب أن يكون العطاء بِسَخَاءِ نَفْس، فيقصد عند العطاء عمل الخير والمعروف ومساعدة الناس وإعانتهم في السراء والضراء ابتغاء مرضات الله، فتعمُّ المحبة بذلك وتدوم الألفة؛ تصديقًا لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "تَهَادَوْا تَحَابُّوا" أخرجه الأئمة: البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو يعلى في "المسند"، والبيهقي في "السنن".
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "َتهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ" أخرجه الأئمة: أحمد في "المسند"، والترمذي في "السنن"، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا" أخرجه الأئمة: الشهاب في "المسند"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وأبو نعيم في "الحلية".
اقرأ الفتوى كاملة من هنا
وبناءً على ذلك؛ فإنَّ النقوط عادةٌ مستحبةٌ، مبناها على تحقيق مبدأ التكافل بين الناس عند نزول المُلِمَّاتِ أو حدوث المَسَرَّات، بأن يبذل إنسانٌ لآخَر مالًا، نقدًا أو عَيْنًا، عند الزواج أو الولادة أو غيرهما مِن المناسبات، وذلك على سبيل المسانَدَة وتخفيف العبء أو المجامَلة.