البث المباشر الراديو 9090
دار الإفتاء
كشفت دار الإفتاء المصرية، على موقعها الرسمي عبر شبكة الإنترنت، عن حكم بناء المساجد داخل المدارس.

وقالت الإفتاء، نصًا: "جعل الله تعالى المساجد بيوته في أرضه، فهي مَقْصِد العُبَّاد، ومَحَطُّ رِكَاب أولي الألباب، جعلها الله تعالى خالصةً له وحده، فقال تعالى: "وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا".

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم: «"إنَّ بيوت الله في الأرض المساجد، وإنَّ حقًّا على الله أن يُكرِم من زاره فيها" أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير".. ولم يكن دور المسجد قاصرًا على الصلاة والعبادة فحسب؛ بل كانت له أدوارٌ أخرى، فكان موطن الذكر ومحل حِلَق العلم، ومقر استقبال الوفود، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُبرِم فيه كل أمرٍ ذي بال.

قال الإمام الزركشي في "إعلام الساجد بأحكام المساجد": "يستحب عقد حلق العلم في المساجد، وذكر المواعظ والرقائق ونحوها، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة؛ ممَّا يدل على أنَّ المسجد كان محلًّا لمدارسة العلم.

وأضافت: "ويدل على ذلك من السنة العملية؛ ما رُوي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يومٍ من بعض حجره، فدخل المسجد، فإذا هو بحلقتين، إحداهما يقرؤون القرآن، ويدعون الله، والأخرى يتعلَّمون ويُعَلِّمون، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كُلٌّ عَلَى خَيْرٍ، هَؤُلَاءِ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا" فجلس معهم. أخرجه ابن ماجه في "سننه".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَنَا هَذَا لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يُعَلِّمَهُ، كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ دَخَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ كَالنَّاظِرِ إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ" أخرجه ابن حبان في "صحيحه".

والمسجد هو أفضل مواضع التدريس وخير موطن تقام فيه حِلَق العلم، قال ابن الحاج في "المدخل": "لا يخلو موضع التدريس من ثلاثة أحوال: إمَّا أن يكون بيتًا أو مدرسةً أو مسجدًا، وأفضل مواضع التدريس المسجد". فكان المسجد منذ نشأة الإسلام هو المؤسسة التعليمية الأولى، وكان المركز العلمي الوحيد في أقطار العالم الإسلامي لقرون عديدة، وقد تخرَّج فيه الفقهاء والمحدثون والمفسرون والعلماء في سائر العلوم وشتى الفنون.

ولما تقدَّم الزمان، واستقرت أحوال البلاد بعد اتساع الفتوحات، وتفرَّغ كثيرٌ من الناس لأعمال الحضارة من الزراعة والصناعة والتجارة والعمران، ازداد مع ذلك عددُ طلبة العلم؛ إذ العلم وقود الحضارة وعمادها، وكان من نتائج ذلك أن ضاقت المساجد عن استيعاب هذه الأعداد كلها - مع ما تضطلع به من إقامة الشعائر والعبادات-، وكذلك مع ظهور الشعب العلمية الكثيرة بجانب علوم الشرع، فكانت الحاجةُ ماسَّةً إلى إنشاء مدارس مستقلة تكون وظيفتها الأولى نشر العلم وتدريسه، تحتوي بين جنباتها الطلبة والشيوخ والكتب، ويكون لها نظام مستقل في النفقات والوظائف والأعمال المتصلة بالعلوم النظرية والتجريبية من الآلات والمعامل ونحو ذلك.

وتكون تحت إشراف الدولة ورعايتها، فظهرت في بادئ الأمر المدارس النظامية ببغداد ونيسابور بشكلٍ مستقلٍّ عن المساجد، ورُتِّبت فيها لوائح التلاميذ والشيوخ وما يتعلق بالعملية التعليمية، ثم تتابع إنشاؤها بعد ذلك في سائر الأقطار الإسلامية، وتنافست البلاد والعواصمُ الكبرى في تكثيرها والعناية بها حتى صارت المدارس والمعاهد والمراصد من أبرز معايير الرفعة والوجاهة لأي بلدةٍ أو إمارة في رحاب الدولة الواسعة.

وجعلُ المساجد الآن محلًّا للتدريس النظامي -ولو بشكلٍ جزئي- أمر يرجع إلى ولي الأمر - وكذا الهيئات التي تنوب عنه- لتقدير مدى الحاجة إلى ذلك خاصة مع قيام المدارس والمعاهد والجامعات الحديثة بهذه المهمة، مع مراعاة عدم خروج المسجد عن دوره الأساسي في كونه محِلًّا للصلاة والعبادة، ولضمان عدم استغلال تلك الدعوى من قبل المتطرفين لبثِّ أفكارهم الشاذة؛ فمصالح العباد في معاشهم ومعادهم لا تتحقَّق إلَّا بالتكامل والتعاون بينهم وبين حكامهم، فالحاكم بما منحه الله من السلطة وما يتبعها من القدرة على الاطلاع على خفايا الأمور وظواهرها، وما يصلح فيها وما يفسدها، أباح له الشرعُ سَنَّ القوانين ووضع الضوابط وإصدار القرارات بما يحقق المصلحة.

اقرأ الفتوى من المصدر

وبناءً على ذلك؛ فإنشاء مدارس نظامية داخل المساجد أمرٌ يرجع إلى الجهات المختصة حسبما تراه محقِّقًا للمصلحة، ومع مراعاة عدم خروج المسجد عن دوره الأساسي في كونه محِلًّا للصلاة والعبادة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز