البث المباشر الراديو 9090
الصدقة  - صورة تعبيرية
كشفت دار الإفتاء، على موقعها الرسمي عبر شبكة الإنترنت، عن حكم تصدق المرأة من مال زوجها

وقالت نصا: "لَمَّا كان إذنُ ربِّ المال أو العلم برضاه شرطًا لمشروعية التَّصَدُّق من ماله، فإنَّه لا يجوز للزوجة أن تتصدَّق بشيءٍ من مال زوجِها إلا بإذنه".

وأضافت: "ثم الإذنُ على ضربين: أحدهما: الإذن الصريح في النفقة والصدقة، والثاني: الإذن المفهوم من اطِّراد العُرف والعادة، كإعطاء السائل كِسرَةً ونحوها ممَّا جرت العادة به واطَّرد العُرف فيه، وعُلِم بالعرف رضاءُ الزوج به، فإذنه في ذلك حاصلٌ وإن لم يتكَّلم".

وتابعت: "هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة في الرواية المشهورة؛ حيث لم يُجوِّزوا للزوجة أن تتصدَّق بشيءٍ من مال زوجها بغير إذنه، إلَّا أن يكون شيئًا يسيرًا، كالرغيف ونحوه ممَّا تَسْمَح به النفسُ في العادة وتبذُله من غير غضاضة ولا تَبخَل به، فإذنه به مفهومٌ من اطِّراد العُرف والعادة".

واستطردوا: "استدلوا على ذلك بما روته السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا» أخرجه الشيخان في "صحيحيهما".

وبما رواه سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال: لَمَّا بَايَعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءُ، قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا، وَأَبْنَائِنَا -قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأُرَى فِيهِ: وَأَزْوَاجِنَا- فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟ فَقَالَ: «الرَّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ» أخرجه الإمامان: أبو داود في "السنن"، والبيهقي في "السنن الكبرى". و"الرَّطْب: الخبزُ والبَقْلُ والرُّطَب".

فقد نبَّه صلى الله عليه وآله وسلم باليسير من الطعام إشارةً إلى أنَّه قدرٌ يُعلَم رضا الزوج به؛ لأنَّ يسير الطعام ممَّا يُسمح به في العادة، بخلاف الدراهم والدنانير في حقِّ أكثرِ النَّاس وفي كثيرٍ من الأحوال، كما في "شرح صحيح الإمام مسلم" للإمام النَّوَوِي.

وتابعت الإفتاء: "بينما ذهب الحنابلة في الرواية الثانية إلى عدم جواز تَصدُّق الزوجة بشيءٍ من مال زوجها، إلا أن يأذن في ذلك صراحةً، وسواءٌ في ذلك القليل والكثير؛ لحديث أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته عام حجة الوداع يقول: «لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا»، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: «ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا» أخرجه الإمام الترمذي في "جامعه".

وقد أجاب الجمهورُ عن حديث أبي أُمَامَةَ رضي الله عنه من وجهين:

الوجهُ الأوَّل: أنَّه محمولٌ على الطَّعام المُدَّخر كالِحْنَطةِ ودقيقها، فأمَّا غير المُدَّخر فإنَّها تتصدَّق به على رَسْم العادة، وفيه الإذن دلالةً، كما في "البناية شرح الهداية" للإمام بدر الدين العَيْني.

الوجه الثاني: أنَّ الأحاديث التي تُجيز تَصَدُّق الزَّوجة من مال زوجها بالشيء اليسير قد جاءت خاصَّةً صريحةً، وحديث أبي أُمامة عامٌّ، والخاص يُقدَّم على العامِّ ويُبَيِّنُهُ، كما في "المغني" للإمام ابن قُدَامَة.

وأضافت: "كما يمكن الجمع بين الأحاديث التي تدلُّ على منع المرأة من أن تنفق شيئًا من بيت زوجها إلا بإذنه، كحديث أَبِي أُمَامَة رضي الله عنه، والأحاديث التي تدل على الإباحة بحصول الأجر لها، كحديث السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها - بأنَّ سماح الزوج في التَّصدُّق باليسير من ماله وإن لم يأذن به صراحةً يختلف باختلاف عادات البلاد، وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاه بذلك أو كراهته له، وباختلاف الحال في الشيء المُنْفَق بين أن يكون شيئًا يسيرًا يَتَسَامح به، وبين أن يكون ثمينًا يبخل الزوج بمثله، وبين أن يكون ذلك من الطعام الذي يُخشَى عليه الفساد إن تأخَّر، وبين أن يكون مما يُدَّخَر ولا يُخشَى عليه الفساد، كما في "عمدة القاري" للإمام بدر الدين العَيْنِي".

تابع الفتوى كاملة من هنا

بناءً على ذلك، وفي واقعة السؤال: فلا يجوز للزوجة أن تتصدَّق من مال زوجها بالشيء الثَّمين حتَّى يأذن لها صراحةً، أمَّا الشيء اليسير الذي يُعلَم رضاه به عُرفًا وتطيب به نفسه عادةً، وكانت نفسه كغالب الناس سَمْحَةً لا تبخل بمثله: فإنَّه يجوز لها أن تتصدَّق به وإن لم يأذن لها صراحةً، فإنِ اضْطَرب العُرف أو عُلِمَ من حال الزوج أنَّه لا يرضى به: فإنَّه لا يجوز لها أن تتصدَّق بشيءٍ من ماله حتَّى يأذن لها إذنًا صريحًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز