رحلات العمرة
جاء ذلك؛ ردا على سؤال: "سافرت إلى مكة المكرمة لزيارة ابنتي، فدخلتها غير محرم؛ ثم بدى لي طالما أنني موجود في هذه الرحاب الطيبة، الذهاب غدًا لأداء العمرة، مع العلم أنني حين دخلتها لم أكن أقصد أداء العمرة، وإنما قصدت زيارة ابنتي، فهل دخولي إليها على هذه الحال يوجب علي دم؟ وهل يجوز لي الإحرام بالعمرة منها؟ أم أرجع إلى ميقات بلدي؟".
وقالت الإفتاء ردًا على هذا السؤال: "الإحرام هو الدخول في الحجِّ أو العمرة أو فيهما معًا بنيةٍ، وسُمي بذلك؛ لاقتضائه دخول الحرم، أو لاقتضائه تحريم لُبس المخيط والطيب وغيرهما من محرمات الإحرام... أمَّا الميقات الزماني: فهو الوقت الذي قدَّره الشارع للإحرام بالحج وهو شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، وتُسمَّى أشهر الحج، وهذا متفقٌ عليه، قال تعالى: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ".. بينما وقت الإحرام بالعمرة جميع السَّنَة.
واضافت الإفتاء: "المواقيت المكانية للحج: هي: أمكنةٌ أوجب الشارعُ على كلِّ من يأتي واحدًا منها، يؤمُّ بيتَ الله، ناويًا نسكًا، أن يُحرم منها ولا يتجاوزها، وهي مرتبطة بالجهة التي يَقْدَم منها الناسك إلى البيت الحرام، بحيث يُحرِمُ منها أو من الجهة التي تحاذيها حالَ قدومِهِ إلى الحرم وإن لم يكن من أهلها، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قال: "وَقَّت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأهل المدينة ذا الحُلَيْفَة، ولأهل الشام الجُحْفَة، ولأهل نجد قَرْنَ المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن، فَمُهَلُّهُ من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يُهِلُّونَ منها" أخرجه البخاري في "الصحيح".
فـ"ذو الحُلَيفة" ميقات أهل المدينة، ويُعرف حاليًّا بـ"أبيار علي"، و"الجُحْفَة" ميقات أهل الشام ومصر، وأهل تبوك كذلك، ويُعرف حاليًّا بـ"رابغ"، و"قَرْنُ المنازلِ" ميقات أهل نجد والطائف، ويعرف حاليًّا بـ"السيل الكبير"، و"يَلَمْلَم"، وهو ميقات أهل اليمن، ويُعرف حاليًّا بـ"السَّعْدية".
أمَّا ميقات حج أهل مكة: فمكةُ، وفي العمرة: أدنى الحِلِّ، ومن كان بين مكة وبين ميقات، فميقاته موضعه، كما أفاده الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم"، والشيخ حسن المشَّاط المالكي في "إسعاف أهل الإسلام بوظائف الحج إلى بيت الله الحرام".
واستطردت الإفتاء: "قد نَصَّ جمهور الفقهاء على مشروعية الإحرام لمن جاوز ميقاته إلى ميقات آخر، وأنه بذلك صار من أهل الميقات الثاني؛ إذ المقصود حصول الإحرام من أيِّ ميقات كان، دون اختصاصٍ أو تقييدٍ، ومن غير نظرٍ إلى وطنِ النَّاسك أو انتسابه إلى بعض الأقطار؛ إذ المقصود من الميقات: تعظيم الحرم، وهو يحصل بأيِّ ميقات اعتبره الشرع المكرم، يستوي فيه القريب والبعيد في هذا المعنى، وهو مذهب الحنفية، والمالكية -حال كون التأخير إلى ميقات البلدة الأصلية للمحرم دون غيره، وهو قول الأوزاعي وأحمد بن حنبل، واختاره بعض الحنابلة، وإسحاق بن راهويه، وهو قول أبي ثور وابن المنذر من الشافعية، وهو مذهب الشافعية في "حق الأجير".
وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في وجه والحنابلة إلى وجوب الإحرام من الميقات بأحد النسكين "الحج أو العمرة" لكل مكلف قصد مكة للزيارة وغيرها ولم يكن من المترددين عليها كعمال وسعاة وغيرهما، بينما ذهب الشافعية في الأصح إلى عدم وجوب الإحرام حينئذ، واختلفوا في وجوب الدم إذا دخلها دون إحرام، فأوجبه بعضهم، ولم يوجبه البعض الآخر وهو المختار للفتوى.
وبتنزيل ذلك على مَن ذهب إلى مكة لزيارة أقاربه وأقام بها، فإنه إن دخل مكة محرمًا بحج أو عمرة من ميقاته فلا حرج حينئذ وصح نسكه إن أداه بأركانه وشرائطه، وإن دخلها دون إحرام فلا دم عليه على المختار للفتوى، ثمَّ إن أراد أداء النسك بعد ذلك: فله حينئذ أن يُحرم كواحدٍ من أهل مكة؛ حجًّا أو عمرة، وله في العمرة -وهي مسألتنا- أن يحرم من أدنى الحل، كأن يخرج إلى "التنعيم" فيحرم منها.
اقرأ نص الفتوى من هنا
وبناء على ذلك؛ فلا يلزمك الرجوع إلى ميقات بلدك للإحرام بالعمرة منه؛ بل يجوز لك أن تحرم بها من أدنى الحِلِّ، بأن تخرج إلى التنعيم فتحرم كما يحرم أهل مكة، ولا شيء عليك.