دار الإفتاء المصرية
وقالت الإفتاء نصًا: "شرع الله تعالى كفارة اليمين حفظًا لحرمة الأيمان أن تُبتذل، وزجرًا للنفوس أن تتساهل في إطلاقها، وجبرًا لما فات من الوفاء بعد الحِنث، فجعلها سبيلًا إلى التَّخلُّص من موجب اليمين على وجهٍ مشروع، كما قال سبحانه: "قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ".. سورة التحريم: 2.
وأضافت: "كفارة اليمين ثلاثُ خصالٍ على سبيل التخيير: إطعامُ عشرةِ مساكين ممَّا يطعم الإنسانُ أهلَه، أو كسوتُهم بما يُعَدّ كسوةً مجزئة في العُرف، أو عِتقُ رقبةٍ مؤمنة، فإن عجز المُكفِّرُ عن جميع ذلك، صام ثلاثة أيام، على سبيل الترتيب لا التخيير، كما قال تعالى: "لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ".. سورة المائدة: 89.
حكم إخراج القيمة في كفارة اليمين
واستطردت الإفتاء: "تمسَّك جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة بظاهر النص الوارد في خصال الكفارة، فمنعوا إخراجها بالقيمة؛ لأن الكفارة عبادةٌ ماليةٌ محددة، وردت على وجهٍ مخصوص، وبيَّن الشرع مقاديرها وأعيانها، فلا يُعدل عنها إلى غيرها بالرأي والاجتهاد".
بينما أجاز الحنفية والإمامُ الأوزاعي إخراج القيمة في كفارة اليمين، وعدُّوه مجزئًا متى بلغت ما يُعادل الإطعام أو الكسوة؛ إذ العبرة عندهم بتحقيق المعنى لا التقيُّد بالمبنى، وبوصول النفع إلى الفقراء لا بالتزام صورة الأداء.
وتابعت: "المختار للفتوى، ما ذهب إليه الحنفية ووافقهم عليه الإمام الأوزاعي هو الأَولى بالترجيح عندنا، ونراه الأقرب إلى تحقيق مقصود الشارع من إيجاب الإطعام والكسوة في الكفارة، وذلك من وجهين:
الأول: أنَّ المقصود من الكفارة إغناء الفقير وسدُّ حاجته، وذلك يحصل بالقيمة كما يحصل بالطعام أو الكسوة، بل قد يكون دفع القيمة في كثيرٍ من الأحوال أبلغ في تحقيق الكفاية، وأسرع في سد الخَلَّة، وأوفق بمصلحة الفقير مستحق كفارة اليمين.
الثاني: أنه لا يمنع من جهة اللغة ولا العرف إطلاقُ اسم الإطعام والكسوة على من دفع إلى الفقير دراهم يشتري بها ما يأكله أو يلبسه، فيُقال فيه: قد أطعمه وكساه، وإذا كان هذا الإطلاق سائغًا عرفًا، اندرج تحت عموم اللفظ القرآني، وانتظم في دلالته، ولم يخرج عنه.
ثم إنَّ الفقير لو مُلِّك الطعام فلم يأكله، بل باعه، أجزأ ذلك اتفاقًا، وكذلك لو أُعطي كسوةً فلم يلبسها وباعها لم يمنع من الإجزاء، مع أنَّ صورة الإطعام أو الكسوة لم تتحقق على ظاهرها، فدلَّ ذلك على أن المقصود ليس حصول المطعوم أو الملبوس في ذاته، وإنما المقصود إيصال قدرٍ معيَّن من المال إلى يد الفقير.
وبناءً على ذلك، فيجوز لمن حنث في يمينه أن يُكفِّر عنها بدفع القيمة نقدًا للفقراء بدلًا عن الإطعام أو الكسوة.