الإمام ابن حزم الظاهرى
كان الأصل هو خروج هؤلاء الفقهاء من منطقة هبوط الوحى، وكان الاستثناء هو الإتيان من خارجها، وكان ابن حزم الأندلسى هو أحد الاستثناءات المدهشة، التى أثرت فى تاريخ الفقه الإسلامى كله.
هو أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن يزيد الأندلسى القرطبى. ولد عام 994 ميلادية، وتوفى فى 1064 عن عمر يناهز 70 عامًا.
هو بلا شك أكبر علماء الأندلس وأكبر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا بعد الطبرى، وفضلاً عن كونه فقهيًا، كان ابن حزم متكلمًا، وأديبًا، وشاعرًا، ونسَّابة وعالم حديث وسياسيًا. كان كذلك أحد الأوائل الذين قالوا بكروية الأرض.
ابن حزم سياسيًا
تولى ابن حزم وزارة للخليفة عبد الرحمن المرتضى الأندلسى فى بلنسية أو فالنسيا حديثًا، ولما هُزم وقع ابن حزم فى الأسر، ثم أطلق سراحه من الأسر، فعاد إلى قرطبة.
عقب ذلك، ولَّى الوزارة لصديقه عبد الرحمن المستظهر، ولم يبق فى هذا المنصب أكثر من شهر ونصف، فقد قُتل المستظهر بعد وقت قليل.. ثم يجن ابن حزم مرة أخرى ثم عُفى عنه... وللمرة الثالثة تولى ابن حزم الظاهرى الوزارة أيام هشام المعتد ولم يمكث كثيرًا كذلك.
من الشافعية إلى الظاهرية
كان ابن حزم شافعى الفقه، فانتقل منه إلى "الظاهرية"، إذ وافق العقيدة السلفية فى بعض الأمور من توحيد الأسماء، والصفات، وخالفهم فى أخرى، وكل ذلك كان باجتهاده الخاص.
والمذهب الظاهرى مذهب يرفض القياس الفقهى الذى يعتمده الفقه الإسلامى، وينادى بوجوب وجود دليل شرعى واضح من القرآن أو من السنة لتثبيت حكم ما، لكن هذه النظرة الاختزالية لا توفى ابن حزم حقه، فالكثير من الباحثين يشيرون إلى أنه كان صاحب مشروع كامل لإعادة تأسيس الفكر الإسلامى.
ابن حزم أديبًا يتحدث عن الحب
ابن حزم هو صاحب كتاب "طوق الحمامة"، أو "طوق الحمامة فى الألفة والألاف"، يُقال إنه أدق ما كتب العرب فى دراسة الحب ومظاهره وأسبابه.
ويحتوى الكتاب على مجموعة من أخبار وأشعار وقصص المحبين، ويتناول الكتاب بالبحث والدَّرس عاطفة الحب الإنسانية على قاعدة تعتمد على شىء من التحليل النفسى من خلال الملاحظة والتجربة. فيعالج ابن حزم فى أسلوب قصصى هذه العاطفة من منظور إنسانى تحليلى. والكتاب يُعد عملاً فريدًا فى بابه.
ويشمل الكتاب نصائح وفوائد كبيرة يوزعها فى أبواب، كما قسَّم ابن حزم كتابه طوق الحمامة إلى 30 بابًا بدءًا بباب علامات الحب، وقد ذكر منها إدمان النظر والإقبال بالحديث عن المحبوب والإسراع بالسير إلى المكان الذى يكون فيه المحبوب والاضطراب عند رؤية من يحب فجأة وحب الحديث عن المحبوب، بالإضافة إلى الوحدة والأنس بالانفراد والسهر.

وباب "ذكر من أحب فى النوم وذكر فيه كثرة رؤية المحبوب فى المنام" ثم باب "من أحب بالوصف" وفيه ذكر وقوع المحبة بأوصاف معينة حتى لو لم ير المحبوبين بعضهما فقد تقع المحبة لمجرد سماع صوت المحبوب من وراء جدار.
وكذلك باب "من أحب من نظرة واحدة وفيه" ذكر وقوع الحب فى القلب لمجرد نظرة واحدة ثم باب من لا يحب إلا المطاولة وفيه ذكر المحب الذى لا تصح محبته إلا بعد طول كتمان وكثرة مشاهدة للمحب ويصرح المحب بحبه بعد مقابلة الطبائع التى خفيت مما يشابهها من طبائع المحبوب ثم ذكر باب من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها وذكر فيه أنه من أحب صفة كانت فى محبوبته لم يرغب بصفة غيرها فمن أحب شقراء الشعر مثلا لا يرضى بالسوداء الشعر.
وأيضًا، باب المراسلة وذكر فيه المراسلة بالرسائل، وقد ذكر فيه صفات الرسائل بين المحبين وشعور المحب بالسرور عند تلقيه رسالة من محبوبه.
وباب الموت وذكر فيه الموت بسبب الحب وذكر قصص من ماتوا من أجل مفارقتهم من يحبون.
الملل والنحل
يعتبر كتاب "الفصل فى الملل والأهواء والنِحَل" أهم كتب الظاهرى، بل أهم دراسة مقارنة بين الأديان، حيث أراد ابن حزم التعريف بعقائد أصحاب الملل غير الإسلامية كعباد الشمس، والكواكب، والنصرانية وحكماء الهند، وعبدة الأصنام وغيرها كثير.

كما أورد الفقيه الظاهرى الكبير آراء الفرق الإسلامية ومذاهبها كالمعتزلة والجهمية والقدرية والشيعة وغيرها، وقد جاءت دراسته متعمقة فى هذه العقائد والفرق وعلى هذه الطبعة تعليقات مفيدة تخدم الموضوع.
تميز هذا الكتاب عن أمثاله فى ذات المباحث والمواضيع بجرأة تامة فى النقد وحصافة فى الفكر ومناقشة أفكار الفرق ونقضها.