إسلام الغزولى
هذا ما فعله المبدع الكبير الراحل وحيد حامد رحمه الله، فإذا قرأت أعماله الدرامية والسينمائية تجده يمتلك قدرة مذهلة على تجسيد الواقع من خلال شخصيات واقع حقيقى تمتزج مع قدرته الفائقة على استنباط المستقبل بقراءة مستفيضة.
حدث ذلك أثناء معالجته لقضايا الإرهاب والتطرف الدينى التى عانت منها مصر منذ سبعينيات القرن الماضى، الأمر الذى عاد لينفجر أيضا فى التسعينيات.
ففى أعماله الدرامية مثل مسلسل "العائلة" وأفلام: "الإرهاب والكباب" و "طيور الظلام" و "دم غزال"، تجده يضع يده على الجذور الفكرية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للظاهرة ويحذر من تمددها.
نجده يجسم الأمر فى مسلسل "العائلة" من خلال شخصية ابن حارس العقار، تلك الشخصية التى تتعرض لقهر نفسى واجتماعى فتنزلق بسهولة إلى تيار الأصولية الإسلامية، والتى من قوة صدقها وتأثيرها الكبير نقلها علاء الأسوانى بحذافيرها ودون إضافات تذكر بروايته "عمارة يعقوبيان"، حيث عجز تماما عن إقامة نموذج يشبهها، فقام بعملية نقل لا أعرف المسمى العلمى لها فى الدراسات الأدبية ولا يعنى هذا الأمر لى شئ سوى توهج الحالة الإبداعية عند وحيد حامد، الذى لم يقف عند نموذج واحد فقط.
كما استسهل كثيرون من الذين ربطوا بين الفقر والإرهاب، لنجده يتحدث عن التطرف فى طبقات أخرى مثل الموظف الحكومى فى "الإرهاب والكباب" والمحامى فى طيور الظلام منتقلًا بذلك إلى ظروف أخرى شارحا زوايا مختلفة من وقائع التطرف الذى رأيناه فى السينما، وعشناه فى ظل الحكم الأسود لجماعة الإخوان المسلمين، وذلك لأنه اغترف من الأرض فكر الإخوان وتوغله فى المجتمع واستشرف بعيون زرقاء اليمامة مستقبلها، كما استطاع أن يحقق تاريخها فى عمل درامى أصبح وثيقة وهو مسلسل "الجماعة" بجزءيه.
وفى مواجهة قضايا العنف الطائفى لم يلجأ وحيد حامد، إلى الخطابة الفارغة وتقبيل اللحى بل دخل مباشرة إلى "عش الدبابير" فى مسلسل "أوان الورد"، وتجاوز كل الخطوط الحمراء ليقدم شخصيات مسيحية درامية لا نماذج شكلية، كما اعتدنا فى أفلام الأبيض والأسود، وهنا كان أيضا سباقًا وجريئًا، وعاد ليقدم شخصية درامية أخرى فى فيلم "الوعد"، وكانت محطة مهمة فى حياة النجم محمود يس.
أما الركن الثالث من أعماله الباقية نجد وحيد حامد، محاربًا شرسًا للفساد بكل مستوياته، الفساد الذى يقتل الطموح والحلم بغد أفضل كما فى مسلسله "سفر الأحلام"، حيث يطرد الفساد الموظف التقى إلى الصحراء، والفساد الذى يوظف القانون لخدمة الباطل كما فى طيور الظلام ومعالى الوزير، والفساد الذى يستخدم الحصانة البرلمانية كما فى اللعب مع الكبار، ويجدد الدعوة باللجوء للأحلام لمواجهة الواقع القاسى بالتأكيد على أهمية الحلم كقوة عظمى وأساسية محركة للحياة.
وبهذه الثلاثية التى واجه بها وحيد حامد، الإرهاب والطائفية والمذهبية والفساد ستظل أعماله مرجعا خالدا نتنفس ونبتهج بها، وأيضا نحارب بأعمال لن تموت.