نبيل منير
أحب اللاهوت الأرثوذكسى، فكان لباسه الأول، صادق الآباء وعاشرهم فتعلم منهم أن اللاهوتى فى المفهوم الأرثوذكسى هو من يصلى، من يحيا الإنجيل ويقتدى بالمسيح فيتمسحن كيانه ويصير المسيح روح فمه على حد قول أرمياء النبى.
فيه فاضت الحياة، والحياة كانت المسيح، آمن بالنور فأضاءت كلماته للجالسين فى الظلمة فاستناروا، عاش حرا، والعبودية لم تدركه، وبشر بضرورة الحرية للخلاص لأنها المفتاح فى الدخول إلى سر الإنسان لأنه تعلم من الآباء أن صورة الله فى الإنسان تمثل الحرية، والعقل، بمعنى أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بالحرية، لذلك خلقنا الله أحرارا لنبادله المحبة، وبدون الحرية لا توجد محبة، فلا محبة بدون اختيار، ولا يوجد اختيار بدون حرية.
كان إنسانا مرسلا من الله اسمه جورج جاء للشهادة، ليشهد للنور، والحق، والحريّة لكى يُؤْمِن كل من يسمع كلمات النور الخارجة من فمه تحمل المسيح المخلص، لم يدّع أنه النور بل كان شاهدا للنور فى زمن عزت فيه الشهادة.
إلى كنيسته جاء، والإدارة الكنسية لم تقبله، أما الذين قبلوه انفتحت عيونهم واستنارت نفوسهم، وولدوا فى الحرية، ورفضوا ناموس العبودية الذى كان مفروضا عليهم.
ولكن الإدارة الكنسية اهتزت كراسيها وارتعبت من ضياع سلطانها القائم على الترهيب، والطاعة، والحفاظ على استيثارها بحق التعليم والتفسير وتكفير من يحاول الخروج من تحت سلطانهم، لذلك قررت الإدارة الحكم بعزله وإبعاده بمقولة كاذبة بأنه عزل نفسه بانضمامه لكنيسة أخرى، وترهيب من يؤمن بأفكاره بالفرز والعزل أيضا.
وحيث إن الإدارة الكنسية تعلم أنها تدعى بما يخالف الحقيقة فلم تجرؤ على مواجهته فى محاكمة علنية على الرغم من مطالبته بذلك مرارا وتكرارا، مما استلزم اللجوء للمحكمة، وعليه قام كاتب هذه السطور برفع دعوى أمام محكمة القضاء الإدارى حكم فيها بتاريخ 1 نوفمبر 2011 بإلغاء القرار المطعون فيه "قرار الفرز والعزل الصادر من الإدارة الكنسية" وتأيد الحكم من المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 28 مايو 2013، واتخذت إجراءات التنفيذ الجبرى ضد الإدارة الكنسية، ولكن الدكتور جورج رفض استكمال الإجراءات لأنها ستنتهى بحبس من يرفض تنفيذ حكم المحكمة، (سيتم نشر كتاب يحتوى على كل أوراق الدعوى وملابساتها وتعليقات القضاة بجلسات المرافعة، والأوراق المزورة المقدمة من دفاع الإدارة الكنسية).
صلب جورج غريبا فوق صليب الكلمة، وهو يدافع عن الحق والنور، والحريّة، وظن من صلبوه أنهم تخلصوا منه، ولكنه انتصر، وانتشرت كلماته فى كل البلدان تنير الظلام وتحرر المستعبدين وأصبح بدلا من جورج واحد، يوجد مليون جورج.
كتب جورج عددا وفيرا من الكتب يزيد على الـ60 كتابا، فضلا عن المحاضرات، والمقالات والأحاديث والتى من خلالها فتح لنا خزائن الآباء وخاصة أثناسيوس الرسولى، وكيرلس عامود الدين، حتى صار بحق معلم المسكونة، ومرشد الأرثوذكسيين، وأصبح من لا يقرأ جورج لا يفهم اللاهوت الأرثوذكسى، بل لم يقرأ الإنجيل معاشا من خلال آباء الكنيسة.
معلم أنت على خطى المسيح المعلم، عاشرته، تحاورت معه، عشقته، شربت من قداسته فصرت قديسا تزرع القداسة فى كل من يعاشرك ويتعلم منك، فالقداسة ليست رتبا كنسية، ولا قيادات، ولا ملابس مميزة، إنما القداسة حب وسلام، رجاء وإيمان، تسامح واتضاع.
غيرت المفاهيم التى ينبغى أن يمارسها المسيحى الحقيقى، فمثلا عن مفهوم الصلاة المسيحى، هى جهاد دائم للاتحاد مع الله، وليست صلة روحية بين الخالق والمخلوق، لأن الله داخلنا وليس بعيدا نحتاج أن نقيم معه صلة، نقلنا من ممارسة أن الأبوة للإكليروس فقط، وإنما للعلمانيين ويستشهد فى ذلك بصلوات الكنيسة والآباء، فبالرجوع لأوشية الراقدين نصلى عن أبائنا وإخوتنا الذين رقدوا وتنيحوا فى الإيمان بالمسيح منذ البدء، وإخوتنا الشمامسة وآبائنا الرهبان وآبائنا العلمانيين، ويؤكد هذا المعنى القديس إكليمنضس السكندرى بقوله "من علمنى حرفا صرت له ابنا، وصار لى أبا".
وأكدت لنا كلمات اللاهوت، والتعليم الصحيح ثابتة فى صلوات البيعة، وأقوال وحياة الآباء، والأرثوذكسى فى صلاته يتجه إلى الثالوث، لذلك حين نشر أحد الأساقفة الحاليين صلاة قسمة من تأليفه يخاطب فيها الابن فقط، أرسل إليه يشرح له الخطأ ويرشده إلى الصواب.
كتبت كتابا عن "الفرق بين الهرطقة والرأى"، تشرح فيه أن الهرطقة هى هدم كامل للبناء العقيدى، فلا توجد هرطقة تنكر ركنا واحدا دون مساس ببقية البناء، فمثلا إنكار مساواة الابن للأب، تتعرض للتجسد والفداء والثالوث، بينما الرأى ينسحب على التفسير وهو من حق كل مسيحى.
أعدت مفهوم السلطة فى الكنيسة إلى تعليم المسيح الذى كان زاهدا فى ممارسة السلطة، حتى أنه لم يسع أبدا إلى فرض تعاليمه على الناس، كما قال لنا المعلم إن السلطة خارج الكنيسة سيادة، ولكن بالكنيسة من أراد أن يكون عظيما فليصر خادما للجميع، وهو مفهوم متضاد مع رجال الإكليروس الذين يتصورون أنفسهم أوصياء على الناس وعقولهم وضمائرهم.
دافع جورج عن المفاهيم المسيحية الصحيحة كما تعلمها من المعلم، وعاشها مع الآباء، ورفض أن يكون أداة فى يد الإكليروس مهما كانت رتبهم، كما رفض السير فى طابور النمل السعيد، ورفض الطاعة لغير المسيح، رفض ثقافة الفتاوى التى كانت تمارسها الإدارة الكنسية وقتئذ، بل وانتقدها.
ظل يكتب ويعلم إلى النفس الأخير، وترك لنا ثروة لاهوتية عظيمة، ستظل حيّا، تعيش فينا بتعاليمك.
وها أنت تسبقنا إلى المعلم، يا من أرشدتنا إلى الإله الحقيقى، المحب، والغافر، والمخلص.
وها أنت تسبقنا إلى أحضان الآباء، يا من علمتنا قيمة الإنسان، وأن الإنسان أقدس من الأشياء.
وها أنت تسبقنا إلى حفلة الحمل بعد أن اطمأنت نفسك بأن المسيرة مستمرة وأن الشعلة ستستمر.