البث المباشر الراديو 9090
د. نسرين عبدالعزيز
أيام معدودة تفصلنا عن انتهاء السباق الرمضانى لعام 2021م، والذى قدم وجبة متنوعة من المسلسلات الدرامية، شارك فيها كبار النجوم والفنانين.

من بين هذه المسلسلات مسلسل أثار فضول الجمهور منذ عرض البرومو الأول له، حيث كان متميزًا ذا اسم غير مألوف للجميع، أخذ يبحث كل مشاهد عن المعنى وراء الاسم، وفى كل حلقة يحاول الوصول إلى ذلك، إنه مسلسل "لعبة نيوتن" بطولة "منى زكى" و"محمد فراج"، و"محمد ممدوح"، و"سيد رجب"، و"عائشة بن أحمد"، وتأليف وإخراج "تامر محسن".

خمس شخصيات تدور جميعها فى فلك واحد، وكل شخصية ساكنة فى وضعها، ولكنها تتحرك كرد فعل لأفعال غيرها من الشخصيات الدرامية، مثل ما تفسره النظرية الفيزيائية  "مهد نيوتن" للعالم "إسحق نيوتن"، والتى تقوم على فكرة وجود صف متوازن من الكرات المترافقة التى يمكن أن تستمر فى التحرك لفترة طويلة، فهى من أشهر الأمثلة المعروفة عن كيفية عمل الطاقة، وقد عبَّر العمل عن هذه الفكرة بوضوح فى تتر البداية، حيث جسد صورة خمس كرات بجانب بعضهم البعض وبمجرد أن تتحرك الكرة الأولى تتحرك آخر كرة، أى أنها أفعال شخصيات تتسبب فى ردود أفعال شخصيات أخرى وتكون هذه الردود أقوى وأعنف وكأنها لعبة، فمن سيفوز؟ ومن سيخسر؟

واستطاعت الفنانة "منى زكى" التى تجسد دور "هنا" أن تقدم حالة فنية منفردة، تارة يتعاطف معها الجمهور ويثور لها، وتارة يغضب من قراراتها وتصرفاتها التى غالبًا ما تسبب لها الكثير من المشاكل" فلديها قدرة كبيرة على استخدام كل إمكانياتها الفنية وأدواتها لتقدم أداءا بارعًا به حنكة وعمق فنى، عبرت عن حالات التوتر والقلق بإحساس عالٍ مسَّ قلب كل مشاهد، مشاعر الزوجة المحبة لزوجها "حازم"، والذى حلمت معه بالحلم الأمريكى، وأن تلد طفلها على الأراضى الأمريكية لتحقيق حياة أكثر رفاهية ورخاءً، ومشاعر الأم التى كادت تفقد ولدها نتيجة هذا الحلم وعدم درايتها بقوانين المجتمع الأمريكى الذى ينصب على سحب الوصاية من على الطفل إذا ثبت أن أسرته غير آمنة عليه لأسباب مرضية أو أخلاقية أو أمنية وخلافه، ومشاعر السيدة التى ترغب فى رد الجميل لمؤنس "محمد فراج" الذى وقف بجانبها فى الغربة، واستطاع أن يسترد لها ولدها من الحكومة الأمريكية للحد الذى وصل بها للزواج منه.

أيضا الفنان "محمد فراج" قدم دور رجل الأعمال الملتزم دينيًا "مؤنس" بشكل متقن ومحترف، ففى كل حلقة يترك لدى المشاهد تساؤلًا واحدًا: هل هو شخص طيب؟، عادل؟، يحب "هنا" بالفعل؟، يطبق شريعة الله بما يرضى الله دون تحريف؟، هل هو شخص متريث؟، هدفه الإقناع لا الإرغام أم العكس؟؛ وبهذا التساؤل نصل إلى نجاحه فى تجسيد الدور وخاصة لغة الجسد الخاصة به، ونظرات العين، وتعبيرات الوجه التى تتلون من الغضب الشديد فتشعر بأنه سيقوم برد فعل عنيف ثم تذهب إلى التريث والهدوء، وكتمان الغضب برد فعل غير متوقع للمشاهد.

والفنان محمد ممدوح  "حازم"، يثبت فى كل حلقة قدرته على خلق خيط روحانى بينه وبين الجمهور، يشعر الجمهور بمشاكله النفسية نتيجة عمله مع "بدر" رجل الأعمال الذى يرغب فى صناعة عسل نحل مخالف لكل القوانين الطبيعية والبشرية، وبحثه وقلقه الدائم على زوجته "هنا" التى سافرت للخارج لكى تلد وتحقق حلمهما، وغيرته كرجل شرقى عليها، الأمر الذى تطور إلى مرحلة الشك والخوض فى عرضها مما جعل الجمهور يفقد التعاطف معه، ويغضب منه لإهانته المستمرة لزوجته وسرعة انفعاله وعدم القدرة على السيطرة على ذاته، مما كان سببًا فى انفصال "هنا" عنه وفقدان احترامها له، كرد فعل لما فعله بها.

حالة الغموض فى شخصية "بدر" التى يجسدها "سيد رجب" جعلت المشاهد فى كل حلقة يرغب فى معرفة هذا الشخص عن قرب ماذا يخفى؟، وماذا يريد؟ وما حقيقة هذا العسل الغير المشروع والمصر على انتاجه؟، فهذه الحالة الفنية تحتاج إلى من يستطيع أن يقدمها بشكل فلسفى متمكن، وقد نجح "رجب" فى ذلك.

أيضًا الغموض الذى تحتويه شخصية أمينة الفتاة الجميلة التى ظهرت فى بداية المسلسل بصورة معينة وبسمات محددة، إلى أنه ثبت العكس، ونجد أنها تبحث عن شيء تفتقده وعلاقتها ببدر غير مفهومة بها حالة من الجنون واللامنطقية، كما أنها تعانى من ألم جسدى لا نعلم عنه شيئًا حتى الآن ومن المتوقع أن تكشف الحلقات القادمة الكثير عنه.

عزيزى القارئ، الغموض الذى تحدثنا عنه والإثارة والتشويق فى أداء الشخصيات الدرامية، والتمكن والأداء الفلسفى المتعمق لهم، مع الأحداث الغير متوقعة التى تجدها كل يوم فى كل حلقة وفى كل مشهد، بالإضافة إلى كتابة النص بشكل احترافى، ممزوج برؤية إخراجية جديدة وحبكة متقنة، ناهيك عن التصوير الخارجى والداخلى الذى توافر فيه عنصر الجذب البصرى للمشاهدين، والتوفيق فى اختيار الديكورات المناسبة، واسم أثار فضول الجمهور للمسلسل منذ اللحظة الأولى، جعل مسلسل "لعبة نيوتن" يتصدر قائمة اختيارات الجمهور وأصبح واحدًا من المسلسلات التى تتنافس بقوة فى السباق الرمضانى حاصلًا على إشادة الكثير من النقاد وحديث مواقع التواصل الاجتماعى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز