البث المباشر الراديو 9090
نسرين عبدالعزيز
الأبوة ليست مسمى على ورق، ومرتبطة بالنسب فقط، وإنما الأبوة الحقيقية هى التى ترتبط بمعانى الحنان والأمان والشموخ والسند والقيم، الأب هو السند .. الأب هو الأمان .. الأب هو عماد الأسرة وقوتها، الأب هو صديق ابنته، وهو الأخ لابنه، وهو الأب والزوج والابن لزوجته.

وكما عودتنا الدراما المصرية بأن تنقل لنا صورًا من واقعنا عبر شاشتها، فقد قدمت الأب فى الكثير من الأعمال الدرامية بصورة إيجابية وكانت البطولة لهذا الأب وحياته الأسرية، وكيف يتعامل مع أبنائه، وما هى التحديات التى يواجهها لبناء أسرة سليمة وتربية نشء صالح، وكيف يكون الصديق الصدوق لكل أفراد أسرته، فشاهدنا "أبنائى الأعزاء شكرا"، "هند والدكتور نعمان"، "لن أعيش فى جلباب أبى"، "يوميات ونيس"، "حضرة المتهم أبى"، "عباس الأبيض فى اليوم الأسود"، "أبو العروسة"، وكلها أعمال نجحت على المستوى الجماهيرى والنقدى أيضًا.

ولكن لماذا بابا ونيس له طابع خاص لدى الجمهور المصرى والعربى، لماذا مسلسل "يوميات ونيس" ينُظر له دائمًا بأنه حالة فنية منفردة وأنه مسلسل الأسرة المصرية؟، لماذا نجح الفنان "محمد صبحى" فى أن يلم شمل الأسرة المصرية لمدة ثمانية أجزاء؟، ولماذا أصبحت "يوميات ونيس" موضوع دراسات الماجستير لبعض الباحثين؟، ولماذا يبحث الجمهور دائمًا عن هذا المسلسل بأجزائه لمشاهدته ومتابعته؟، ولماذا يرغب كل ابن وابنة فى أن يكون والده هو بابا ونيس؟.

السر يكمن فى تكنيك الفنان "صبحى" ونهجه فى اختيار أعماله والحرص على أن تكون أعمالًا هادفة تمس المشاهد، ويشعر معها بألفة شديدة، وأن تكون ترجمة للواقع الذى يعيشه، فقدم صبحى نموذج الأب المثالى المحب لأولاده، العاشق لزوجته والواعى بأهمية دور المرأة داخل الأسرة والمجتمع، الأب الذى يرغب فى أن يبنى نشئًا سليمًا، الأب الذى لا يمل من إعطاء دروس الأخلاق ويعلم أهميتها وتأثيرها على المدى البعيد، الأب الذى إذا أخطأ اعترف بخطئه، لكى يعلم أولاده ثقافة الاعتذار، الأب الذى لا يبخل بنصائحه ومساعدة أبنائه وأصدقاء أبنائه وأقاربه وكل من له علاقة به.

المثالية عزيزى القارئ لا تعنى الفضيلة الكاملة وعدم ارتكاب أى خطأ، فنحن لسنا ملائكة وإنما بشر ومن الطبيعى أن نخطئ فى بعض المواقف والأحيان، ولكن المثالية هى الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه والتعلم منه.

وهذا ما كان يفعله بابا ونيس طيلة الثمانية أجزاء، فكان لكل جزء طابع درامى جديد، يحمل فكرة جديدة ولكنها ارتبطت جميعها بتحقيق رسالة هادفة وهى كيف نبنى أسرة سعيدة ونربى نشئًا صالحًا، من خلال مواقف درامية تعيش فيها الشخصيات ومفارقات تتعرض لها، مرورًا بتأكيد أهمية الصفات الجيدة التى يجب التحلى بها من صدق وشهامة وحب فعل الخير، والطموح، والاعتدال وعدم الإسراف، والتعاون، والجد والاجتهاد، واحترام مشاعر الآخرين، وحب الوطن والانتماء له، والإخلاص وغيرها من مكارم الأخلاق التى نعى أهميتها فى حياتنا ولدينا الحرص على أن تكون من سمات شخصيتنا.

ودائمًا ما يكون لصبحى قاموس لغوى خاص به من مفردات وكلمات وجمل تحض على كل ما هو جميل وتحمل أسمى المعانى والدلالات فمنها "ونحن نربى أبناءنا اكتشفنا أننا نربى أنفسنا معهم"، و"الابتزاز هو أحط الجرائم الأخلاقية لأنه يعتمد على استغلال ضعف الآخرين"، و"أذا أردت أن تبنى أمة عظيمة عليك أن تبنى طفلًا عظيمًا بالعلم والأخلاق، و"للأسف اختفت من حياتنا كلمات جميلة مثل من فضلك، آسف.. لو سمحت".

والجميل أن هناك الكثير من المدارس فى مصر اهتمت بتدشين بعض من هذه الجمل وكتابتها على مجلات الحائط ووضعها فى مداخل المدارس والملاعب تقديرًا لأهميتها فى تربية النشء الحالى.

وأصبح هناك وجبة متكاملة تُقدم للجمهور كل يوم على مدار ثمانية أجزاء فأصبح بابا ونيس فردًا فى عائلة كل مشاهد فهو الأب والجد الذى أخذ على عاتقه تربية جيل بعد جيل وفقا للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تمر بها الدولة.

ونهاية القول، إن بابا ونيس قدم لنا نموذج الأب المثالى الذى لم يصبح أبًا على الشاشة فقط بل أصبح أبًا لقطاع كبير من الجمهور صغارًا وكبارًا، فإذا ذُكر بابا ونيس استدعينا معه كل مشاعر ومعانى الحنان والأبوة والسند والمثالية والفخر والاعتزاز، فأصبح أيقونة الفضائل ومكارم الأخلاق.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز