البث المباشر الراديو 9090
نسرين عبدالعزيز
من ملكات الكوميديا المصرية بل والعربية، هانم من زمن البكوية، مُعلمة لمدرسة من المشاغبين، سكينة قلب المصريين، لها مدرسة فنية كوميدية خاصة، تميزت عن فنانات جيلها بالروح المرحة والكوميديا العفوية، أسرت قلوب جمهورها، فتذكرتها أجيال وأجيال، إنها سيدة المسرح السياسى سهير البابلى.

من يتابع التاريخ الفنى لسهير البابلى يجد أنها كانت تخطو خطوات فنية بحرفية شديدة ووفقا لنهج محدد، فالحس الكوميدى كان غالبا منذ بداية أعمالها، ففى فيلم "مستر إكس" مع الفنان الكبير "فؤاد المهندس"، كان المشاهد يرى مستقبل لهذه الفنانة فى عالم الكوميديا ولم يأت وقته آنذاك.

ثم رويدا رويدا وجدناها فى أشهر مسرحيات المسرح المصرى "مدرسة المشاغبين" بدور متميز وفريد دور "أبلة عفت" المُعلمة الجميلة التى تحاول ترويض مجموعة من الطلاب فقد ناظر المدرسة الأمل فى إصلاحهم، فهم كثيرو الرسوب والمصدر الأول والأوحد لإثارة الشغب والتنمر على الطلاب وأساتذتهم، وتتعرض هذه الُمعلمة الجميلة لكثير من التحديات، ولكن كان لديها فلسفة خاصة، وهى أن الحب والتفاهم والاحترام يمكن أن يكسر الكثير من الحواجز فنجحت فى إصلاح حال هؤلاء الشباب واستطاعت أن تجد لنفسها مكانة داخل حياتهم وقلوبهم وتغير نظرتهم للحياة والدراسة.

وفى كل مشهد بين "سهير البابلى" وملوك الكوميديا "عادل إمام" و"سعيد صالح" و"يونس شلبى"، والنمر الأسود "أحمد زكى"، وناظر المسرح "حسن مصطفى" وغيرهم من فنانين، نجد متعة جميلة، السلاسة فى الحوار والعفوية فى الأداء والحس الكوميدى الخلاب عنوانها.

حتى عندما قدمت "البابلى" دور شر فى أشهر المسرحيات المصرية المأخوذة عن قصة الإجرام الحقيقية لريا وسكينة، قدمته بطابع خاص وبأسلوب مهنى احترافى، وأضافت عليه لمساتها وخلطتها السحرية على المسرح، فكانت مسرحية "ريا وسكينة" مع الفنانة الكبيرة "شادية" والفنان الكبير"أحمد بدير"، وعلى الرغم أن قصة "ريا وسكينة" قُدمت فى السينما المصرية والتلفزيون المصرى بأكثر من عمل إلا أنه عند ذكر اسم سكينة نستدعى معه الفنانة سهير البابلى.

هذه الفنانة التى كانت تتحرك على المسرح كالفراشة، تشع البهجة والسعادة، اعتبرناها فراشة المسرح المصرى، وعندما كانت تخرج عن النص، كانت تخرج بحدود وبشكل راقٍ ولخدمة الدور الذى تؤديه ولإضافة نكهة جميلة له، فدائما ما كانت تحرص "البابلى" على وجود رابط بينها وبين جمهورها، هى فقط التى تعلم كيف تقوى جذوره وتجعله مستمر معها حتى مماتها.

وهل توقف إبداع "البابلى" عند هذا الحد، بالطبع لا، من منا لا يتذكر "بكيزة هانم الدرمللى" هذه السيدة الأرستقراطية الغنية التى لعب بها القدر، وشاءت الظروف لتعيش حياة فقيرة مليئة بالتحديات ويرافقها فى هذه الحياة "زغلول" ابنة زوجها والتى قامت بدورها الفنانة الكبيرة "إسعاد يونس" والتى لم تكن تعلم عنها شيئا وهى مختلفة عنها تماما فى كل شيء فهما قطبان مختلفان متناقضان، وهذا التناقض هو لب الحكاية وأساس الضحك والمتعة وسر نجاح المسلسل وحصوله على نسب مشاهدة مرتفعة فى كل مرة يُعرض فيه.

وقد قُدم أيضا المسلسل فى السينما المصرية وبقصة مختلفة مع الحفاظ على تواجد الشخصيتين المحورتين بكيزة وزغلول، وبقصة جديدة ومغامرة جديدة وشيقة، فهو فيلم "ليلة القبض على بكيزة وزغلول" والذى يعد من أشهر أفلام الكوميديا فى السينما المصرية فى الثمانينيات وأكثرها متعة.

وفى فيلم "ليلة عسل" والكوميديا الراقية الهادفة التى قدمت فيها دورا مميزا عن سيدة تتولى منصب كبير بجهاز تنظيم الأسرة وحرصها على إقناع السيدات بتنظيم النسل والتحديات التى تواجها، إلا أنها حملت بالخطأ من زوجها طبيب النساء المشهور والذى قام بدوره الفنان الكبير "عزت العلايلى" فى سن متأخر وهو سن الأربعين، فماذا تفعل مع ابنتها الشابة المُقدمة على الزواج، وابنها الرافض لهذا الطفل خوفا من التجنيد، فيجبرها زوجها على الإجهاض وتصبح فى صراع ما بين بقاء الطفل ونظرة المجتمع لها، ففى هذا العمل استطاعت "البابلى" أن تمزج بين الكوميديا والتراجيديا دون أن يطغى جانب على الآخر، فتجد نفسك تارة تضحك، وتارة تبكى، ولا تغفل عينك عن أى مشهد من العمل لبراعة البابلى والكيمياء التى كانت بينها وبين عزت العلايلى.

اهتمت أيضا بالكوميديا السياسية وقدمتها بطابع مختلف يمزج الحقيقة مع الكوميديا وخفة الظل، كما كان لها صوت جميل واستطاعت أن تقدم استعراضات فى السينما وعلى خشبة المسرح بشكل متميز.

حقيقة الأمر، أعمال ملكة الكوميديا وفراشة المسرح المصرى "سهير البابلى" تحتاج المزيد والمزيد من المقالات، هذه المدرسة الفنية المتفردة كانت الإلهام لكثير من فنانى الكوميديا فيما بعد، وهى السبب فى بقاء البابلى فى قلوب جمهورها، فلن ننسى أبلة عفت، وبكيزة، وسكينة، لن ننسى من أدخلت البهجة والفرح فى قلوب أجيال وأجيال، أحبت فنها واحترمت جمهورها واعتبرته رسالة، فخلقت لها مكانة خاصة فى قلوبهم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز