نسرين عبدالعزيز
وقد يعتقد البعض أن الفقر والجهل من أول أسباب انضمام الشباب للتنظيمات الإرهابية ولكن مسلسل "بطلوع الروح" جعلنا ننظر للأمور نظرة أخرى وألقى الضوء على نقطة هامة وهى أنه فى بعض الأحيان لا يكون هناك علاقة بين الفقر والوقوع فريسة للتنظيمات الإرهابية، فقد يكون الشخص ثرى من عائلة محترمة مثل "أكرم" الحاصل على تعليم عالى، وله مكانة اجتماعية كبيرة ويحب زوجته وزميلته فى الدراسة (منة شلبى)، يعيش حياة مثالية ثم ينضم لهذه الجماعات ويجبر زوجته على السفر معه وتقبل الوضع مستخدما ابنه كورقة ضغط عليها "مقتنعا أنه ينفذ شريعة الله وأنه يقوم بعمل جهادى بطولى".
أيضا صور العمل يوميات الأشخاص المقيمين فى المناطق التى يسيطر عليها تنظيم داعش والمعاناة التى يواجهونها من إرهاب فكرى وأخلاقى وجسدى، بالإضافة إلى أفراد التنظيم رجالا ونساء، وكيف يعيشون ويتعاملون ويفكرون وينظرون لأنفسهم ولغيرهم، وهل هم على قناعة بما يقومون به ويتحدثون عنه وينادون به أم لا.
فالمسلسل يتعامل مع التطرف والإرهاب بأنه انحراف اجتماعى ونفسى وسلوكى تعانى منه البشرية، يسير وفقا لنهج يخدم أجندة قياداته.
واستطاعت إلهام شاهين تقديم دور جديد تماما فى هذا العمل، فدور "أم جهاد" هو دور حاسم داخل العمل الدرامى السيدة التى تبلغ 50 عاما من عمرها، وتشعر بأنها لم تعش حياتها بعد مقتل زوجها فى إحدى العمليات الإرهابية، تريد الزواج من عمر " أحمد صلاح السعدنى" وهو شخص له ثقله داخل التنظيم، ولا يرغب فى ذلك، وفى نفس الوقت هى قائدة لكتائب النساء الإرهابية والآمر الناهى بها، وتمارس كل أشكال العنف للمرتدين من وجهة نظرها متخلية عن كل مشاعر الإنسانية وكونها امرأة تشعر بمن حولها، تشعر بمعاناة غيرها من السيدات، ولكنها للأسف أصبحت هى عدو المرأة ذاتها وأكثر شخص يمارس العنف ضدها.
و"روح" الفتاة الجميلة المرحة التى أبدعت منة شلبى فى تجسيد دورها، وقدمتها بشكل يدخل كل القلوب، وبتكنيك مدروس به تميز فى توظيف إمكانياتها الفنية، وكانت الشخصية مرسومة بحرفية من حيث البعد الجسدى والنفسى والاجتماعى والمظهر والملابس، وبتغير حال هذه الشخصية تختلف معها جميع الأبعاد، فشخصية روح شخصية نامية متطورة ففى كل حلقة يحدث تطور وتغير على كافة الأبعاد بدء من أول حلقة وذهابها إلى تركيا بصحبة زوجها لاختطاف ابنها، ونحن أمام أداء غير اعتيادى، أداء من العيار الثقيل يفوق المتوقع، التحول من المرح والسعادة والتفاؤل إلى التعاسة والشقاء والخوف استطاعت منة شلبى نقله بسلاسة وقوة وتعبير صادق.
أحمد السعدنى الذى تقمص دور "عمر" وهو أحد قيادات التنظيم، فقد أتقن الدور لدرجة أنك تصدق أنه بالفعل إرهابى، وحالة الصراع الداخلى التى دخل بها منذ الحلقات الأولى مع الإنسان الذى لديه قلب ويحب "روح" من طرف واحد، والقيادى الذى تخلى عن قلبه من أجل السلطة والإحساس بالقوة محاولا تعويض نقاط ضعفه، مستخدما لغة الجسد ببراعة ولغة العيون التى معها تفهم الكثير والكثير من الأحداث بدون أن ينطق السعدنى بكلمة واحدة، ومن خلالها توصلنا إلى عشقه لروح ورغبته فى تملكها وأنه مقيد حتى استطاع جلبها إلى الرقة من خلال التأثير على زوجها وإقناعه بالانضمام إلى التنظيم، فالسعدنى لديه شخصية منفردة فى أدائه ودقه ونضج عالى فى التمثيل وقرأة واعية للشخصية.
وبالفعل هناك تحدٍ للمخرجة الكبيرة كاملة أبو ذكرى فى تناول موضوع تم تقديمه فى أعمال أخرى سينمائية وتليفزيونية، ولكنها استطاعت بمهارة وذكاء وحرفية فى تقديم حالة مختلفة بالتركيز على فريق عمل من الممثلين المتمكنين المتميزين والاستفادة من إمكانياتهم العالية، بالإضافة إلى الكتابة المتميزة للمؤلف محمد هشام أبو عيبة التى جعلت العمل وهو مستوحى من أحداث حقيقية مختلفا عما تم تقديمه من قبل عن تنظيم داعش.
أيضا أعاد بنا مسلسل بطلوع الروح إلى تكنيك الخمس عشرة حلقة البعيدة عن الإطالة والمبالغة إلى حد الثلاثين حلقة فأكثر، وكان هذا أيضا من أهم أسباب متابعة الجمهور له لتوقعه بأنه سيقدم الأحداث بشكل فيه تتابع منطقى وإيقاع سريع غير ممل ومحدد الهدف.
وأخيرا هل ستستطيع روح أن تهرب من التنظيم وتعود إلى مصر وأهلها وحياتها السابقة، أم بطلوع الروح لن تستطيع وستتوه فى ثنايا وخبايا التنظيم ودائرة اللانهاية.