نسرين عبدالعزيز
فأتذكر أن أول عمل مسرحى شاهدته بدقة وأعجبت به وأنا أبلغ التسع سنوات من عمرى وهى مسرحية "تخاريف" ولست أنا فقط بل أسرتى وأصدقائى جميعهم، واستطعت أن أدرك الرسالة التى كان يحملها العمل، وبعدها أصبحت أبحث عن كل عمل سبق هذه المسرحية فشاهدت مسرحية الهمجى ومسرحية الجوكر ومسرحية البغبغان ومسرحية انتهى الدرس يا غبى، وفيلم أونكل زيزو حبيبى، وفيلم العميل رقم 13، وتولد لدى حرص شديد على متابعة كل عمل جديد لصبحى سينمائى أو مسرحى أو تليفزيونى وتسجيله لمشاهدته أكثر من مرة.
استمتعنا معه برحلة المليون، وذهبنا معا فى هنا القاهرة، وشاهدنا معه الصراع بين الخير والشر فى الهمجى، وعلمنا أن فقدان البصر لا يعنى فقدان البصيرة فى وجهة نظر، وأخذنا معه فى رحلة إلى ماما أمريكا، وأصبحنا أفرادا فى عائلته فى يوميات ونيس، وشاهدنا معه أعرق المسرحيات هاملت وكارمن وسكة السلامة ولعبة الست، وعرفنا أن المال ليس كل شىء فى على بيه مظهر والأربعين حرامى.
وتعرفنا معه على بروتكولات حكماء صهيون فى فارس بلا جواد، وكشفنا معه ملح الأرض، ورأينا معه الريحانى وتذوقنا نكهته ورأيناه على المسرح بطلة صبحى وروحه وذلك ضمن المشروع الفنى لإعادة تراث نجيب الريحانى.
حقيقة الأمر المشوار الفنى لصبحى هو مشوار ملىء بالنجاحات، مشوار يجمع بين الكوميديا والتراجيديا والميلودراما، مشوار يتوجه هدفا أساسيه وضعه صبحى أمام عينه وهو احترام جمهوره وتثقيفه وإنارة الطريق أمامه وتشكيل وجدانه وموروثه الثقافى.
فلا يوجد عمل لصبحى إلا وله رسالة قد تكون اجتماعية أو سياسية أو سيكولوجية أو اقتصادية، وقد يجمع بين أكثر من واحده، كما حدث فى مسلسل يوميات ونيس الذى أرى أنه دليلا إرشاديا لكل أب وأم يريدان تربية أبنائهم تربية حسنة وعدم الإخفاق فى ذلك.
له نظرة سياسية ثاقبة وإدراك للمشهد السياسى العربى ووضع الشرق الأوسط بوعى تام، ومسرحية "ماما أمريكا" و"خيبتنا لما تفارقنا" خير دليل على ذلك، أمتعنا بأحدث مسرحيات له فى مدينة سنبل وعلى مسرح صبحى وهى "غزل البنات"، "خيبتنا لما تفارقنا"، "نجوم الضهر"، و"عيله اتعملها بلوك".
يقدس الدراسة والتعليم فهو كان معيدا فى أكاديمية الفنون ولكنه استقال لرغبته فى التفرغ للفن ولكنه لم ينس أنه كان من السلك الأكاديمى فأسس "استديو 80" فى الثمانينات مع لينين الرملى، وحاليا "استديو الممثل" وآخذ على عاتقه تخريج جيل واع مثقف من الفنانين يثروا الحركة الفنية ولا يوقعون بها ويشوهونها.
وهذا المشوار الفنى جعلنى اهتم بإعداد كتاب "صبحى مشوار الفن والحياة" وهو عن السيرة المهنية والفنية لفارس المسرح العربى عام 2019م الطبعة الأولى والثانية عام 2020م، وخلال إعدادى لهذا الكتاب التقيت به عدة مرات نتحاور ونتناقش، لم يبخل عنى بمعلومة واحدة، ولم يجمل الكلمات بل كان صادقا وفخورا برحلته والصعاب التى واجهها حتى يكون محمد صبحى.
وجدت فيه حبه للشباب وقدرته على استيعاب المرحلة التى يمرون بها ورغبته فى الحوار الدائم معه، وبحكم عملى كأستاذة جامعية أعلم أن هذا التفهم صعب إدراكه لدى الكثير، لكن استطاع صبحى أن يحقق شيئا هاما وهو خلق جسور التواصل بين الجيلين فالشباب يعشقون صبحى ويحبون أعماله ولقاءاته، وقد نجح فى تحقيق هذه الحالة، فهى من ضمن رسائله التى يسعى دوما لتحقيقها.
ولذلك عندما أتحدث عن صبحى على المستوى الشخصى فسألخصه فى كلمه واحد أنه إنسان، والإنسانية ليس بالأمر السهل اقتنائها والحفاظ عليها.
المعلم، الأستاذ، الإنسان، الفنان، الأب، الفارس، شكرا على كل ما قدمته وما تقدمه لجمهورك ولفنك.
عام سعيد ملى بالنجاحات والإنجازات وبحب الجمهور وعشقه.