نسرين عبدالعزيز
فالرمزية كانت عنوان المسرحية، ففى كل قصة لعائلة من عائلات نسل زينهم أفندى، يحذر الأب من تطور التكنولوجيا وما يمكن أن يكون له أثر سىء فى تماسك الأسرة والنسق الأخلاقى والقيمى لها، بدءا بالجرامافون ثم الراديو ثم التليفزيون ثم الموبايل والإنترنت.
وفى بداية العمل نجد مادة فيلمية مصورة أشبه بمشاهد أفلام الخيال العلمى، تعرض حال البشرية فى عام 2127، وهو أزهى عصور التكنولوجيا والرقمنة وسيطرة الآلة على البشرية، فلا توجد أسماء للبشر فأصبحت هويتهم يعبر عنها بأرقام ليس إلا، وبمحاولة هؤلاء الأشخاص التعرف على أصولهم البشرية واسترجاع تاريخ عائلتهم وأجدادهم نبدأ بالفصل الأول من العمل وبطله "زينهم أفندى" وعائلته فى عصر الاحتلال الإنجليزى، ونضال الزعيم سعد زغلول، مستعرضا الحالة الاقتصادية والاجتماعية وأيدولوجية المجتمع حينذاك وأخلاقيات الأسرة المصرية والعلاقات بين أفرادها ووجود الأب القدوة الذى يحترمه أبناؤه.. ودفء العائلة الذى لا مثيل له، والاعتزاز بالنفس وقدسية الأم، وحب الجيران لبعضهم البعض، مرورا بتغيرات عدة حدثت بتطور الزمن إلى أن نصل إلى انعدام التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة حتى وهم فى البيت الواحد مستعيضين ذلك بتبادل الرسائل والتحدث مع بعضهم البعض عبر الهاتف المحمول، وكأنهم فى جزر منعزلة، وأصبح هناك جحودا فى العلاقات بين الجيران، وتدهور فى لغة الحوار بين الأبناء والآباء، وانهيار العلاقة بين الأخوة وتدهورها إلى الحد التى تصل فيها إلى التهديد بالأسلحة.
أشار العمل أيضا إلى عدة نقاط مهمة ومنها الانفتاح الاقتصادى وما حدث معه من ظهور طبقات غنية من فئات غير متعلمة واختلال التوازن المجتمعى بسطوة المال على الفكر والثقافة، وأزمة الفن المصرى وتصدى الفن الراقى لموجة الفن الهابط.
كما اهتم الفنان محمد صبحى، بصورة المعلم القدوة وعلاقاته بتلاميذه واهتمامه بتثقيفهم، وظهر ذلك فى القصة الثانية من العمل المسرحى، واختتمت القصة الأخيرة بصورة المعلم المستهتر الذى يسيئ لقدسية التعليم واستخدام الرقص البذىء والموسيقى الفاسدة كأداة لتوصيل المعلومة للطلاب فأصبح التعليم غاية لتحقيق الكسب المادى لدى بعض المعلمين فى واقعنا وعبر محمد صبحى عن ذلك بمواقف كوميدية أضحكتنا وأبكتنا فى الوقت ذاته.
وكانت هناك مهارة فى مزج الغناء والاستعراض، فالأصوات كانت أوبرالية رائعة تداعب قلوبنا وأذاننا، كما أن الفنانة وفاء صادق، قدمت حالة مختلفة فى هذا العمل، فتشعر بمصداقية كل دور قامت به الأم والابنة والجدة، فكان أداؤها رشيقا تلقائيا عفويا.
وأمتعنا محمد صبحى كعادته بتجسيد خمس شخصيات بأبعاد مختلفة وسمات متعددة وبمظهر مختلف لكل عصر، بالإضافة إلى رشاقته على المسرح وآدائه الاستعراضى الذى يمتلك أدواته بحكمة والمعهود عنه، كما كان هو الجد بالفعل للأحفاد واستطاع أن يخلق كيمياء جميلة معهم خاصة فى مشهد المعلم واندهاشه بمستوى أحفاده التعليمى المتدنى ورقصه معهم على أنغام المعلم، وهو رقص رمزى على خيبة الأمل وضياع قدسية التعليم.
وأخيرا وليس آخرا إننا نواجه احتلالا جديدا من نوع مختلف، وهو الاحتلال الرقمى والتكنولوجى الذى لا يستخدم السلاح بل يستهدف العقول والمبادئ والأخلاق، واتضحت رسالة العمل فى ذلك فانتهت المسرحية بغارات تجوب يمينا ويسارا فى منزل "بهاء" رب أخر أسرة فى عائلة "زينهم أفندى"، وفرار أفراد أسرته بالكامل الا ابنته الكبرى عفاف، التى أيقنت خطر هذا الاحتلال وتمسكت بوالدها رمز الأمان والدفء وعماد الأسرة.
ودائما ما نقول إن محمد صبحى يقدم وجبة متكاملة من استعراض وغناء وكوميديا وتراجيديا وقصة محبكة دراميا، تجعل المشاهد يخرج من المسرح، ومشاهد العمل عالقة فى ذهنه يتذكرها بين الحين والآخر، ويربطها بواقعه وتترك أثرا فيه لا ينسى.