البث المباشر الراديو 9090
الكاتب الصحفي محمود بسيوني، رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم
تحتفظ العلاقة بين الأب والابن الأكبر بخصوصية شديدة، فهو الامتداد الطبيعي لمسيرة وكاتم الأسرار، وحافظ شفرات العائلة، وريث إنجاز الأب والأمين على ما تحقق، تابعت ما قاله الفنان محمد محمود عبد العزيز نجل ساحر الدراما الغائب الحاضر محمود عبد العزيز، وكشفه لوصية والده له، ولأخيه الفنان كريم عبد العزيز، لمصر خلال تكريم الفنان الراحل فى مهرجان القاهرة الدراما، الذي نظمته الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في مدينة العلمين الجديدة، وصية عظيمة تختصر ببساطة مسيرة فنان، قاده حب الفن إلى عشق الوطن.

كانت آخر كلمات الفنان الراحل لابنه: «مصر جميلة قوي حبوها قوي قوي قوي»، كان حب الوطن والمحافظة عليه هي الوصية، كلمات تتطابق مع ما قاله محسن ممتاز، لرأفت الهجان، في المشهد الشهير قبل الذهاب إلى إسرائيل، حينما أوصاه بمصر، وقال: «مصر جميلة وتستحق أن نحافظ عليها ونضحي من أجلها».

ارتبط جيل الثمانينيات بمحمود عبد العزيز، بدايةً من دوره الخالد فى مسلسل رأفت الهجان، وتجسيده لشخصية البطل رفعت الجمال، الذي زرعته المخابرات المصرية داخل المجتمع الإسرائيلي، ويتناول تأسيس الجهاز، وكيف تعامل مع التهديدات والمخاطر، وكيف تطور أداؤه رغم التضييق على الخبرات والمعلومات؟ ونجح معتمدًا على ذاته وذكاء ووطنية رجاله.

رسم الكاتب الكبير صالح مرسي، شخصية رأفت الهجان ببراعة، وقدم فيها ملحمة تروي قصة تحول مواطن مصري، تعرض لظلم أُسري شديد، جعله ناقمًا ورافضًا للمجتمع، إلى بطل مطلوب منه تحقيق مهمة مستحيلة، وهو بناء درامي صعب بكل المقاييس.

فى أحد اللقاءات، تحدث عبد العزيز عن خلافه المكتوم مع الفنان عادل إمام، بسبب رأفت الهجان، وكان إمام هو المرشح الأول للدور، معتمدًا على نجاحه الساحق فى دور جمعة الشوان، بمسلسل دموع فى عيون وقحة، وهو مسلسل جسد بطولة من بطولات المخابرات العامة.

ما توقفت أمامه، هو قدرته على نسيان اللغط والتوتر الذي سبق تصوير المسلسل، والقلق من نتيجة المقارنة بينه وبين عادل إمام، وأن يقف أمام الكاميرا، ليضع بصمة من روحه فى الشخصية، ويقدم لنا رأفت وتحولاته المعقدة ببساطة السهل الممتنع، وينجح المسلسل فى جذب المتابعين من المحيط إلى الخليج، ويتحول إلى أيقونة من أيقونات الدراما المصرية، ومشاهدة حاضرة حتى اللحظة على مواقع التواصل الاجتماعي، رغم مرور أكثر من ثلاثين عامًا على عرضه.

شخصية رأفت الهجان، التي رُسمت بقلم الكاتب صالح مرسي، كانت قريبة الشبه بجيل الشباب، تقبل ثورتهم ورفضهم للأوضاع وبحثهم عن الذات، وكان النص ذكيًا بأنه لم يقع في فخ المورال التقليدي للأبطال، وتقديمهم كشخصيات خارقة لا تخطئ، وصنع من شخصية عابثة لاهية إلى بطل يُقدم على تضحية مميتة من أجل وطنه.

وعبر عبد العزيز، خلال تجسيده للشخصية، عن الجيل الذي شهد النكسة، وكان صادقًا في الرقص رغم القهر، وكانت ثورته فى القاهرة، تعبيرًا عن شعور بضياع تضحيته، ورغم ذلك لم يتوقف حتى الانتصار، وكيف أخفى فرحته تحت جلده؟

أما عن مشهد تنحي الرئيس جمال عبد الناصر، كشف محمد محمود عبد العزيز، أنه حضر تصوير المسلسل بأجزائه الثلاثة، لكن تنحى الرئيس كان رعبًا بالنسبة له، وقال: «في حالة التنحي، حصلت حالة غير مفهومة، أبويًا، فضل يعيط بعد ما المخرج قال Cut، وطلع غرفته، وكمل عياط، وما حدش عارف يفصله»، وهى كلها مشاهد خالدة بتوقيع مخرج عظيم هو يحيى العلمي.

لم تكن الأدوار الوطنية، هى من وضعت محمود عبد العزيز على عرش الدراما العربية، لقد أحب الفن، وكان الصدق فى تجسيده لعشرات الشخصيات، هو المفتاح لقلوب وعقول جمهوره الواسع، والتنوع من الكوميديا إلى التراجيديا، والأدوار المركبة، فهو لم يتوقف عن التجريب حتى آخر حياته.

وصيته تقول إننا أمام فنان لديه رسالة، ورسالته كانت وطنه، وقد لعب دورا شديد الأهمية في مسلسل البشاير، وجسد دور أبو المعاطي شمروخ، الفلاح العائد بعد سنوات من الكفاح فى الغربة، ليرفض مظاهر زحف المدينة على قريته البسيطة، وضياع هويتها تدريجيًا، ليقرر الذهاب إلى الصحراء، واستزراعها، ثم تدفعه الظروف إلى مقاومة هجمات عصابات الصحراء، وتجار المخدرات، وهى فكرة أبدعها قلم وحيد حامد، شديد الوطنية، لخص فيها قصة مصر عبر التاريخ، وهي البناء والمقاومة والتمسك بالهوية.

كل هذه الشخصيات عبرت عن فكرة الوطن، في عقل وقلب محمود عبد العزيز، فهو عاصر حقبة الستينيات، وارتباط ذلك الجيل بأحلام عبد الناصر، وعاش مع السادات انتصار أكتوبر، وتحدى التغييرات العميقة فى بنية المجتمع مع التوجه نحو الانفتاح، ثم كان له مواقف قوية من الإرهاب والتطرف، وكان في الصفوف الأولى من الفنانين المقاتلين ضد التنظيمات الإرهابية، وأعماله الأخيرة، عبرت عنها بفاعلية، وربما نتذكر صحيته الشهيرة من مسلسل رأس الغول، وهو ينادي «فوقوا» لرفض زراعة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، وسيناريو التقسيم، وما يحمله من خطر شديد الخطورة على مصر.

إن تحمل هموم الوطن، خلال نجاحك، وتنحاز لقضاياه هو تحدٍ لأي فنان، ولا يُقدم عليها إلا من غرس جذوره في الأرض، ولم ينعزل عن الناس، وقرأ تاريخ مصر، واستوعب دروسه، وفهم مقصد الفن ورسالته السامية في نهضة أي مجتمع، ومقاومة محاولات تدميره من الداخل وعوامل الانحلال والانهيار والاختراق.

محمود عبد العزيز، كان هو ذلك الفنان، بل أنه أسس مدرسة فنية منحازه لهموم الوطن، وله منهج في الإصلاح عبر أدوات الفن، وتوظيف الإبداع من أجل رقي الوطن.

هذه المدرسة، كتبت لمحمود عبد العزيز الخلود، وكانت وصيته رسالة عابرة للزمن، تدعو المصريين إلى حب بلدهم، والتمسك به، والدفاع عنه لأنه يستحق.

نقلا عن مجلة «روزاليوسف».

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز