محمد مرعي
الدول المحترمة كمصر، والتي تمتلك القدرة فعليا للدفاع عن سيادتها وحماية مصالحها، تتعاطى مع هذه الأزمات والصراعات بنوع من الحكمة، وتحقق أولًا، وتجمع معلومات لتوضيح الرؤية، ثم لتقرر بعدها اتخاذ ما يلزم من إجراءات وقرارات.
هل تعتقد أنه لو كانت هناك نيران معتدية ومتعمدة وليست نتيجة خطأ أو نتيجة لمواجهات مسلحة في جغرافية قريبة منك، فإن مصر لن ترد وتضع الجميع أمام حجمهم الطبيعي وتمارس حقها الشرعي في الدفاع عن النفس؟ لا أظن ذلك.
أمريكا وهى القوة الأكبر في العالم خلال الأسبوع الأخير تعرضت قواعدها العسكرية ونقاط تمركزها في سوريا والعراق بشكل "متعمد" لـ13 هجوم أو قصف صاروخي من مجموعات مسلحة قالت أنهم تابعين لإيران، فكان الرد الأمريكي على هذه الهجمات المتعددة والمتعمدة وبعد أسبوع هو قصف لنقطة تمركز في البوكمال في سوريا وأكدت أن هذا مجرد رسالة لإيران!. لكن الرد الأمريكي لم يكن على مستوى الهجمات التي تعرضت لها، كان فقط رسالة تحذير لأنها تعي خطورة توسيع المواجهات على مصالحها.
مصر في 2015 حين اختطف وذبح المصريون في ليبيا قال وقتها الرئيس السيسي أننا نحتفظ بحق الرد، وهو ما كان بعدها بساعات من الثأر من هؤلاء القتلة والمجرمين عبر ضربات جوية مركزة في نقاط تجمعهم في مدينة درنة الليبية.
هل تتذكر الخط الأحمر الذي رسمه الرئيس السيسي للجميع في ليبيا "خط سرت الجفرة" وما رافق هذا التهديد والتحذير من استعدادات مكثفة لقواتنا المسلحة للدخول العسكري في ليبيا في حال لم يتم التراجع؟ هل تعتقد أن الرئيس السيسي وقتها لم يكن جادا؟ لا بالتأكيد، لأن رسالة التحذير وصلت للجميع وتأكدوا أن مصر عازمة فعليا على الدخول عسكريا في حال تم تجاوز خط سرت الجفرة.
وأنا هنا لا أريد الحديث عن السودان ولا تحليل كيف أن شرق السودان "محرم" على ميليشيا الدعم السريع هناك لأن "الرسالة العملية" كانت قوية ومؤلمة لهم، وحقيقة أنا أحبذ صفة عظيمة في الإدارة المصرية أنها ليست شعبوية وتتعامل بهدوء وحكمة وعقلانية.
أظن أننا نحتاج جميعا في مثل هذه الحوادث والأزمات أن نتروى قبل التعليق وأن نثق أكثر في قدرات القائمين على إدارة الحكم، فالصورة أمامهم أوضح، ومصر الآن أمام تحديات خطيرة تستهدف أمنها القومي و"الأمن العربي" لكن قدرات وأدوات القوة الشاملة التي عززتها وعظمتها خلال العقد الأخير كفيلة بتجاوز كل المخاطر وبوضع المغامرين والمقامرين أمام حجمهم ودورهم الطبيعي.
أعتقد وهذا هو المهم أن الجميع في حاجة لإدراك طبيعة الصراعات القائمة، فهى معقدة ومتداخلة مع بعضها البعض، ولسنا في حاجة للاشتباك معها من السطح دون استيعاب كل أبعاد الصراع وأهداف كل طرف منخرط، والأهم أن تكون "مصالح مصر" أولًا وأخيرا وقبل أي شىء.
نقطة أخيرة، التأثيرات المباشرة من المواجهات العسكرية بين إسرائيل وحماس ودخول ميليشا إيران في سوريا والعراق واليمن على خط التصعيد، لا تستبعد فيه حدوث أخطاء على دول الجوار الجغرافي كمصر والسعودية والأردن ودول أخرى، وعليه ما ينبغي التركيز عليه الآن هو عدم "إشعال الحرائق" ودعم كل الجهود لخفض هذا التصعيد حتى لا تتحول منطقتنا لبركان يحرق الجميع.