الكاتب الصحفي محمود بسيوني، رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم
أقل ما يمكن وصف هذه الممارسات بأنها جرائم حرب وإبادة جماعية للمدنيين وتهجير قصري للسكان وتصفية عرقية عنصرية بحق الشعب الفلسطيني في غزة وفقا لما نصت عليه المواثيق والقوانين الدولية بما فيها اتفاقية جنيف إذ تمارس قوات الاحتلال الإسرائيلي شن الهجمات وقصف المنازل واستهداف المستشفيات ودور العبادة من الكنائس والمساجد وكذلك المدارس والتي أفضت إلى استشهاد ما يقرب من 9000 شهيد من العزل أغلبهم من الأطفال، بالإضافة إلى النساء وكبار السن وإصابة الآلاف إصابات خطيرة، ومحاصرتهم بقطع سبل الحياة من ماء وغذاء وكهرباء، بالإضافة إلى طمس الحقائق من خلال استهداف المؤسسات الإعلامية وتدميرها وملاحقة الإعلاميين الفلسطينيين وتصفيتهم.
وعلى الرغم من وجود العديد من التشريعات والاتفاقات والمعاهدات الدولية التي تنظم معاملة المدنيين والجنود وأسرى الحرب في نظام النزاعات المسلحة إلا أن قوات الاحتلال الإسرائيلي ما زالت تخترق هذه القوانين وتواصل سلسلة من جرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني المحتل ضاربة في ذلك عرض الحائط بالقانون الإنساني الدولي وغير مكترثة بالتزاماتها كدولة طرف في اتفاقيات جنيف الصادرة في 12 أغسطس 1949 المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب.
ما يحدث الآن ليس جديدا، فقد اعتادت قوات الاحتلال الإسرائيلي علي مدار الـ 70 عاما الماضية علي ارتكاب العديد من الانتهاكات على مدار تاريخها الاستيطاني ضد الفلسطينيين مستفيدة من تواطؤ غربي حيال هذه الانتهاكات الفجة واستطاعت على مدار تاريخها الإفلات من العقاب عقب أعمالها العدائية المستمرة إذ اعتبرت إغارات منتصف الليل على مخيمات اللاجئين في غزة والضفة الغربية مألوفة؛ وقد صار من المعتاد أن يضرب سكانها، ويعتقل بعضهم عسفا، وأصبح القتل والمعاملة القاسية والاستيلاء على الممتلكات والمعاملة اللاإنسانية واحتجاز الأفراد بصورة غير قانونية وعدم إخضاعهم لمحاكمات عادلة والتهجير من أماكن سكنهم وإقامة جدار العزل الإسرائيلي وهدم المنازل والعقوبات الجماعية بمثابة نهج سياسي ضد الفلسطينيين دون اكتراث للقانون الدولي الإنساني ومنظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة بل على العكس يقف المجتمع الدولي مكتوف الأيدي أمام هذه الجرائم ويكتفي بتقديم الإدانات والتبريرات لإفلاتها من العقاب مما يعكس ازدواجية وخللا في منظومة معايير حقوق الإنسان الدولية.
فى مارس الماضي، أصدرت الدائرة التمهيدية الثانية في المحكمة الجنائية الدولية المدعومة من الأمم المتحدة مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بشأن مزاعم جرائم حرب متعلقة بترحيل أطفال و"نقلهم بصورة غير القانونية" من أوكرانيا، وقالت المحكمة لحظة إعلانها عن أوامر الاعتقال إن الأوامر تنص على مسؤولية كل من الرئيس بوتين والمفوضة "عن جريمة الحرب المتمثلة في الترحيل غير القانوني" للأطفال من الأراضي المحتلة في أوكرانيا إلى روسيا.
المحكمة، قالت إنها وجدت أسبابا معقولة تفيد بأن السيد بوتين يتحمل مسؤولية ارتكاب الأفعال بشكل مباشر، بالاشتراك مع آخرين، أو من خلال آخرين، و "لفشله في ممارسة سيطرته كما ينبغي على مرؤوسيه المدنيين والعسكريين الذين ارتكبوا الأفعال، أو سمحوا بارتكابها".
أنشأت المحكمة الجنائية وفق نظام روما الأساسي ويمتد اختصاصها ليشمل جميع الجرائم الدولية الأشد خطورة التي ارتكبت بعد 1 يوليو 2002، وهو تاريخ دخول نظام روما الأساسي حيز التنفيذ وأقتصر اختصاص المحكمة على جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان.
بالمقارنة مع حالة الرئيس بوتين ألا تعتبر سياسة العقاب الجماعي وقطع المياه والكهرباء ثم قطع الاتصالات واستهداف النساء والأطفال وقصف المستشفى المعمداني وإخراج الوحدات الطبية عن العمل والحديث علنا عن عملية ترحيل قسري لأهالي غزة باتجاه الحدود المصرية بهدف توطينهم في دولة أخرى من جرائم الحرب، أليست إبادة جماعية جديدة تتم تحت سمع وبصر القوى العظمى في العالم وتحديدا الولايات المتحدة، أن ما يتعرض له أهالي غزة هو حرمان أكيد من الحق في الحياة وهو الحق الأسمي والأعلى في الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى تتشدق الولايات المتحدة بانها تحميه.
إن اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بارتكاب جرائم حرب تقع تحت طائلة المحكمة الجنائية الدولية أمر لا يقبل الجدل أو التشكيك، لدينا أسماء للضحايا وتصريحات رسمية تتحدث عن الاستهداف والقتل والانتقام، وكل ذلك لم يجد صدى عن الحكومات الغربية التي تحركت ضد بوتين ودعمت نتنياهو، حتى تصريحات المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بالجرائم المرتكبة في غزة صوتها خافت وربما صدرت لتخفيف الضغط وتجميل الصورة، ولكنها أكدت أننا أمام نظام دولي مهترئ تتحكم فيه سياسات دول كبرى تتحدث عن عادلة على مقاس حلفائها فقط أما الآخرون فهم فلسطينيون عرب همجيين وأشرار ولا مانع من قتلهم.
لا يقف نتنياهو وحده في قفص الاتهام بل ويقف بجانبه الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي دافع عن تصرفات نتنياهو وحرك من أجل إسرائيل حمالات الطائرات وأعاد عشرات الجنود الأمريكيين إلى الشرق الأوسط، وغض الطرف عن حالات قتل الأطفال والنساء، وأجهض أي تحرك في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة من أجل وقف إله العدوان الإسرائيلية ضد المدنيين في قطاع غزة المنكوب.
إذا مرت جرائم نتنياهو والحكومة الإسرائيلية المتطرفة دون عقاب دولي، فيمكننا التوقع بأن العدالة الدولية القائمة على مبادئ حقوق الإنسان قد شارفت على السقوط، فمن قدم بوتين ورؤساء آخرين للجنائية الدولية بمزاعم لم ترق إلى حد اليقين وجمد أي تحرك ضد نتنياهو يؤكد أن ذلك النظام متحيز ومزدوج المعايير ويمارس التمييز ومن ثم يصبح دعوات إسقاطه صوتها أعلى من المحافظة على استمراره، والاستهانة بالعرب لا يخدم سوى أجنده التنظيمات الإرهابية وسيدفع فاتورتها العالم كله وهو ما حذر منه الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارا وتكرارا وأثبتت الأيام والأحداث صوابه.
إلى ما تبقى من عقل وضمير لدى القوى الكبرى العالم، استمرار نتنياهو والمتطرفين في الحكومة الإسرائيلية أمر شديد الخطورة على مستقبل الشرق الأوسط، تلك الحكومة هي من صنعة ذلك المشهد المأساوي ووضعت الولايات المتحدة في موقف حرج أمام حلفائها في المنطقة، بل إن محاكمة نتنياهو وأركان نظامه عبر آليات العدالة الدولية والأممية يحمى النظام الدولي ومنظومة حقوق الإنسان، توثيق الجرائم وتحديدها وتنفيذ سبل العقاب وتعويض المضرور والشروع في تنفيذ حل الدولتين يخدم كل الأطراف ويعطل أدوات الإرهاب ويساهم في تهدئه الأوضاع وعودة الاستقرار ويدعم أصوات السلام.. إذا كان هناك من يبحث عن السلام.
نقلا عن مجلة روزاليوسف