محمود بسيونى
الحريق الحاصل في المنطقة سببه المباشر هو التطرف، تطرف إسرائيلي وتطرف إخواني، ومن الخطأ أن نربط ميعاد الحرب داخل إسرائيل بحادث 7 أكتوبر الماضي، لكن الميعاد الحقيقي هو يوم تولي الحكومة المتطرفة في تل أبيب برئاسة رئيس الوزراء المنتهي الصلاحية بنيامين نتنياهو.
لقد تجاوزت تلك الحكومة كل الخطوط الحمراء داخل الأراضي المحتلة، وقررت قتل وإبادة الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة، وكان تطرفها هو الدافع المغذي للتطرف على الجانب الآخر من أجل إشعال المنطقة وتحويلها إلى بحر من الدماء والفوضى.
فشل الجدار العازل وطائرات "إف 35" في حماية إسرائيل، كما فشلت أنفاق حماس وصواريخها في حماية شعبها الأعزل من القصف الوحشي، رغم أنها تعلم جيدًا أن الرد الإسرائيلي سيكون عنيفا وقاتلا على واقعة 7 أكتوبر، لكنه التفكير الإرهابي الذي لا يفكر في حياة البشر، بل هو على استعداد تام لحرق الأرض بما عليها من أجل تحقيق أهدافه، تنظيم بلا قلب، ولا يعرف الإنسانية.
لا يفكر المتطرفون في المدنيين الأبرياء، ولا مانع لديهم من تقديمهم وقودا لحرب بلا هدف، لا توقفهم الدماء البريئة ولا القلوب المنكسرة، التطرف لن يجلب سوى التطرف في المستقبل والخطر قائم عقب توقف محطة العنف الحالية.
الأخطر هو تصدير الفوضى لإقليم هش بالأساس، دمرت الحرب ما تبقى من اقتصاده، الاستثمارات تهرب من مناطق الاشتباكات المسلحة، وهي فاتورة أخرى تدفعها مصر بلا ذنب بعد فاتورة حرب أوكرانيا وجائحة كورونا.
أثمن ما يملكه الإنسان في الشرق الأوسط البائس هو الأمن والاستقرار والقدرة على البدء من جديد، أما الفوضى فهي قرار بالانتحار الجماعي.
وسط فوضى التطرف العنيف تقف مصر لتقاتل في ساحة إدخال المساعدات ومساعدة الإنسان في القطاع والضغط على كل الأطراف من أجل تقديم ما يلزم لسكان القطاع المحاصرين عبر معبر رفح الذي قصفته إسرائيل أكثر من مرة من الجانب الفلسطيني بهدف تعطيل الشاحنات القادمة من مصر.
ومصر هي صاحبة نصيب الأسد في توفير المساعدات للقطاع وقد تخطت 80٪ تقريبا من إجمالي مساعدات المقدمة من دول العالم، ولا أعلم كيف يجرؤ أحد على اتهام مصر بعد كل ذلك بأنها تحاصر القطاع، لكن ذلك الكلام السفيه ليس غريبا على الإخوان.
أي متابع منصف سيجد أن مصر هي الدولة المساندة بصلابة لسكان القطاع، بل وتتسابق المؤسسات والشركات المصرية في تجهيز قوافل المساعدات، وآخرها قافلة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وضمت 6 شاحنات محملة بـ 150 طن مواد غذائية ومياه لدعم الأشقاء الفلسطينيين، في ظل الاحتياج الملح للمياه والمواد الغذائية بقطاع غزة.
بالإضافة إلى أطنان المساعدات التي قدمتها مؤسسة حياة كريمة، والتحالف الوطني للعمل الأهلي، ووصلت إلى داخل القطاع وهي تحمل معها أسباب حياة الإنسان الغذاء، والمياه، والدواء، وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
كما استقبلت مصر المصابين والمرضى في مستشفياتها وقدمت سبل الرعاية الطبية اللازمة لهم، ونجحت عبر التفاوض الناجح مع كل الأطراف في إخراج الأطفال من مرضى السرطان من أجل تقديم الجرعات اللازمة لهم.
لم يتوقف الدعم المصري عند ذلك الحد، بل تحركت منظمات حقوق الإنسان المصرية من أجل تذكير الأمم المتحدة بالمأساة وشارك أعضاء الوفد الحقوقي المصري بقيادة مؤسسة ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان خلال مشاركتهم في اجتماعات لجنة مناهضة التعذيب وضروب المعاملة القاسية في وقفة احتجاجية أمام مقر المفوضية السامية لحقوق الإنسان بمدينة جنيف السويسرية للاعتراض على جرائم الحرب الإسرائيلية والمطالبة بمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين ورفض سياسية ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع القضية الفلسطينية.
بينما تعمل الدبلوماسية الرئاسية المصرية بكثافة على فرض على هدنة إنسانية من أجل وقف القصف الوحشي وإنقاذ أهالي القطاع، وهي أهم مساعدة يمكن تقديمها للأشقاء في غزة بعد أكثر من شهر ونصف الشهر من القصف المتواصل والتجاهل الدولي للمأساة الفلسطينية.
المزايدة على الموقف المصري ليست جديدة، ودائما ما تأتي من التنظيم الإخواني الإرهابي، الذي يتجاهل إعلامه أن أحد قيادات الإخوان من عرب 48 كان شريكاً في الحكومة الإسرائيلية السابقة، وأن "نتنياهو" كان أكبر داعم لحماس من أجل فرض سيطرتها على القطاع، بل واعترف أنه استخدم حماس لإضعاف حركة فتح وقتل مفاوضات السلام وحل الدولتين ثم تصفية القضية الفلسطينية بتهجير سكان القطاع إلى سيناء، وسكان الضفة إلى الأردن.
وكانت إسرائيل داعمة لوصول المتطرفين إلى الحكم في الدول العربية، وداعمه للفوضى وعدم الاستقرار، وكانت أكبر مستفيد من تدمير الجيوش العربية في مواجهات من إرهابيين مدعومين من الإخوان وحلفائهم.
الإخوان هم الكنز الاستراتيجي الحقيقي لإسرائيل، فهم السبب المباشر في إضعاف الدول العربية الكبرى والقضاء على قوتها العسكرية، كما أن أبواق الجماعة وأذرعها الإعلامية تثير التوتر في المجتمعات وتدفع بالشكوك والشائعات ضد الحكومات العربية وتوفر على إسرائيل وأجهزتها الأمنية الجهد والمال.
انظر إلى حال سوريا، وليبيا، والسودان، هل يمكن أن تتخذ الدول العربية موقفا موحدا في المواجهة وهي تعاني داخليا من صراعات قاسية على الحكم؟
تلك هي الحقيقة التي تدركها مصر جيدا، بل إنها أكثر الأطراف تضررا اقتصاديا مما يشهده القطاع، وهي معاناة تضاف لمعاناة أخرى سببها التضخم العالمي، ومع ذلك تقف بصلابة من أجل تقديم المساعدة المطلوبة للإنسان الفلسطيني دون التفات للنقد أو المزايدات، وتلك هي شيم الكبار الشرفاء في زمن عز فيه الشرف.