البث المباشر الراديو 9090
الكاتبة روضة الشامخي
يقول محمود درويش: أيها المارّون بين الكلمات العابرة احملوا أسماءكم وانصرفوا

(…)

منكم السيف ومنّا دمنا

منكم الفولاذ والنار ومنّا لحمنا

منكم دبابة أخرى ومنّا حجر

منكم قنبلة الغاز ومنّا المطر
…

رحلتْ يا درويش خطاك وظلّ صداك على أرض تهتزّ منذ ما يقارب القرن حنقا على الغازين الذين سقوها بدماء المظلومين…

ويقول أبو القاسم الشابي:

ألا أيها الظالم المستبدّ حبيب الظلام عدو الحياة

(……)
تأمّل هناك أنّى حصدت رؤوس الورى وزهور الأمل

ورويت بالدم قلب التراب وأشربته الدمع حتى ثمل

سيجرفك السيل سيل الدماء ويأكلك العاصف المشتعل

وها قد رحلت أنت أيضا يا أبا القاسم ومازلنا نردّد قولك للمعتدي مؤازرة للفلسطيني، وتحقيقا لنبوءة التحرّر إثر اشتعال نيران الثورة التي ستُحرق عدوّ الحياة!

والأرض تصرخ بعد أن ارتوت وقلوب الأعداء مازالت عطشى للدماء.

فغزة بنت فلسطين المليحة اليوم جريحة لكنها ترفل في العزّ والشرف وإن تلطخت أثوابها بالدم، إنها ترنو للغد المشرق رغم قتامة الحاضر، فهي تسبح في لجة الحياة وتأبى أن تستسلم لليأس أو تغرق في ظلمات الممات فالنصر آت آت، رغم ظلم الظالمين ورغم خيانة الخائنين، وقد تنبّأ به الشاعران وسيقضيه الديّان…

اقرؤوا التاريخ يا أولي الألباب ففيه نظر وعبر!

ورد اسم فلسطين في السجلاّت الآشورية من خلال كلمة "فلستيا" و"فلستو"، أمّا هيرودتس فسمّاها "بالستين" عودة للجذور الآرامية ويُقصد بها الأرض الساحلية.

وفي العهد الروماني أصبح هذا الاسم يُطلق على كلّ الأرض المقدسة.

وقد سكن الإنسان أرض فلسطين منذ أقدم الأزمنة وعرف الزراعة والصناعة والكتابة، وقامت هجرات لقبائل وأقوام عربية عديدة سكنت أرض فلسطين ومنهم الكنعانيون والعموريون والآراميون وأقاموا حضارات بملامح عديدة أهمها ملمح الكتابة على يد الكنعانيين.


وقد غزا فلسطين والمناطق المجاورة لها مجموعات عرقية مختلفة استطاعت السيطرة على الأرض لمدة زمنية ما ولكن هؤلاء الغرباء كانوا يُطردون من هذه الأرض وتنتهي صلتهم بها لتعود إلى أصحابها، ومنهم "الهكسوس(1750-1500 ق.م) والفُرس(520 ق.م)، والإغريق(332ق.م) والرومان في القرن الأوّل للميلاد.

وليست الغاية هنا السرد التاريخي وإنما الاعتبار منه، ففلسطين عريقة ارضا وشعبا وحضارة وعنيدة عصيّة منيعة وإن دخل إليها الغريب الغازي.

ولا حاجة هنا للتذكير ببداية المخطط الصهيوني خلال الحرب العالمية الثانية ثم مؤتمر بازل بسويسرا ثم التدفق الاستيطاني إثر وعد "بلفور" 1917، وقد قامت ثورات عديدة لمقاومة هذا الاحتلال منذ البداية ومنها ثورة البُراق عام1929 ثم تتالت الثورات بعد ذلك (1936/1937/1939).

وتواصلت المقاومة حتى 1948 وما بعدها وحتى اليوم وستظلّ ولو إلى قيام الساعة، فما ضاع حق وراءه طالب!

وأمثلة الشعوب التي عانت من الاحتلال مدة وصلت حدّ القرون المتتالية ثم تحرّرت عديدة ويكفي تقليب صفحات التاريخ للوقوف عليها واستقاء الحكمة منها.

ورغم توسع المحتلّ اليوم في البلاد وتنكيله بالعباد وحرقه للأرض وتلطيخه للمقدسات بدماء المظلومين والمقهورين ومع تعاظم قوته وجبروته جرّاء الانحياز الدولي السّافر.

تستميت اليوم أمّ المدائن والخليل وجنين ورام الله وكل المدن الفلسطينية فضلا عن غزة ،في الصمود ولو دام الحيف إلى يوم الدين!

وتلوح غزة بين المدائن حمامة بيضاء تقود سِربًا من الحساسين تغني أغنية الحياة للعاشقين.

"يطير الحمام
يحط الحمام"

ولكن العار سيلحق القوى الداعمة للدمار ولانتهاك حق الانسان في الحياة وفي الكرامة.. فالسياسة الغربية اليوم مشينة بما تقوم عليه من ازدواجية حيث ترفع لواء حقوق الإنسان وشعارات السلام والإخاء والعدل وتتشدق بمفردات الكرامة ولكن هي ترى بعين عمياء أنً هذه الشعارات قد تصل إلى العالم العربي على ظهر الدبابات والطائرات والبارجات.

فهل نذمّ القيم ونشتم القِمم؟

لا..ولن…!

الأوْلى أن نُندّد بالإخلال بالقوانين الدولية وبالمعاهدات الأممية، الأحرى أن نشجب خرق المواثيق الحاملة لمجموعة من القيم أجمعت حولها الأمم لا أن نشتم القيم في حدّ ذاتها فذاك عنوان تقهقر نحو البدائية والفوضى وخطوة للوراء في درب الإنسانية التي تستغيث اليوم لِمَا علا مُحيّاها من غبار الظلم والبشاعة بسبب سياسة الكيل بمكيالين!

فالقتل مستباح هنا في غزة وفلسطين أجمعين ممنوع هناك في ديار المحتلّ، والهجوم إرهابي هنا دفاع عن النفس هناك همجي بربري هنا ، متحضّر متأنّق بربطة عنق بيضاء وبدلة سوداء هناك!

ونحن دعاة حياة ونمقت القتل مهما كان القاتل والمقتول ولكننا نرفض سياسة الانحياز المفضوح للظالم ونصرته على المظلوم ونميز بين القتل دفاعا عن النفس وعن الحق وعن الأرض والقتل باسم القوة والجبروت قصد التوطين الأبدي للمحتلّ الغاشم!

نرفض ازدواجية المعايير وسياسة المحتالين!

فحِيل التصفية العرقية و أساليب الإبادة الجماعية وسياسة التهجير" اللا أخلاقية" كلّها تنذر بالشؤم للإنسانية وتُبين عن غرق الإنسان في سيل الدماء بلا هوادة فهل كُتب علينا أن يكون تاريخنا "تاريخ الدموع والدماء"على حدّ عبارة ماركس الشهيرة؟!

ومع ذلك سيرحل المحتلّ يوما وسيُهزم فالشعب أبيّ ويرى رأي شاعره "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة!

والتاريخ عموما والتاريخ السياسي خصوصا محكوم بمبدأ التداول كما ذهب إلى ذلك ابن خلدون.

فلا شيء سيظلّ على حاله وإن تكتّل دعاة الباطل وصرخوا وإن تفرّق أهل الحق وخرسوا!

فالإسرائيليون عابرون في الكلام العابر وإن طال بهم المقام وشنقوا الحياة في كلّ المعابر!

وللّه درّ الأموات إذ تركوا على أفواههم وصية الحياة!

 

روضة الشامخي

كاتبة وروائية تونسية

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً