البث المباشر الراديو 9090
رامي زهدي
عهود طويلة مرت بالقارة الإفريقية بدولها الكثيرة وشعوبها المختلفة، التي وإن تشابهت في العرق أو اللون أو الهوية الإفريقية إلا أنها اختلفت فيما بينها في الإطار الفكري وفي الأهداف والقدرات، لكن بقي أن الجميع في القارة قد أوتي نصيباَ من كنوز وخيرات القارة، منها ماهو كامن ومنها ماهو ظاهر، حتى أن الموقع الجغرافي ذاته للقارة يمثل أحد أهم ثروات القارة، ولا توجد دولة واحدة من دول القارة الإفريقية لم تنال قدراَ من الخيرات الطبيعية والبشرية، نفط، غاز، معادن نادرة، وأخرى حيوية كثيفة الإنتاج والإحتياج، موارد مائية، نباتية، حجرية، ثروات بحرية، حتى (رمال صحروات القارة.. مهمة) ، كل شئ، ربما القارة الإفريقية لاينقصها من ثروات العالم أي شئ، بينما تتباين الوفرة من نطاق جغرافي لآخر، وكذلك المدى الزمني لظهور هذه الثروات التي كثير منها لم يكتشف في الأساس، ومنها ما إن يلبث أن ينضب في مكان ليظهر أكثر قوة في مكان آخر.

متي تتعامل أفريقيا مع العالم بما تمتلك من مقومات حقيقية لا بما تحتاج من احتياجات أساسية؟

في إفريقيا.. لاشئ يجب أن يعلو فوق مفهوم "الدولة والمؤسسات الوطنية"

القارة القوية.. تكون أقوى بقوة شعوبها ودفاعهم عنها في مواجهة التحديات

الوطنية الإفريقية في قلوب وعقول شباب القارة تمثل مساراً حتمياً مؤكداً لتحقيق خطط التنمية المستهدفة

ثروات القارة مابين ثروات معطلة، وأخرى مستغلة استغلال غير منصف لشعوب القارة ولصالح شعوب أخرى كلها تندرج تحت سوء الإدارة لأسباب متعددة منها ماهو داخلي محلي مرتبط بنا نحن الأفارقة ومنها ماهو لأسباب خارجية ممنهجة ضد القارة، فيما يبدو أن عثرات القارة وتعطلها يبدأ من القارة ذاتها، في وقت غابت فيه الروح الوطنية المخلصة عن بعض غير قليل من زعماء وقادة ومسؤولين بعض الدول في أزمان مختلفة وعهود سابقة، ولو أن الجميع أدرك أن القارة الإفريقية هي الوطن الأكبر، وأن الدول الإفريقية كلٍ منها هي جزء أصيل من كل كبير وعظيم، وأن صالح الشعوب والأوطان أكبر من صالح الأفراد والجماعات والقبائل والعرقيات، لتغير حال كثير من شعوب القارة.


عبر مائة عام تقريبا، ظلت أفريقيا هدفاَ للإستغلال ومطمع للكثير من الأمم إن لم تكن كل الأمم، كلاَ على طريقته ووفقا لقدراته "اللصوص كانوا كثر، والإختلاف فقط في الإسلوب"، بدأت رحلة استهداف القارة فور استكشاف القارة الإفريقية جغرافيا، كانت البداية طمعاَ في السيطرة على الممرات المائية عبر البحار والمحيطات التي تحيط بالقارة الإفريقية، في وقت كانت التجارة والنقل وحتى التحرك للحرب لاتتم تقريباَ الا عبر السفن والبحر، ثم بعد أن أدرك العالم للمرة الأولى أن هناك إنساناَ ما في الجنوب، لونه غير، ووصفه غير، ورغم إن العالم استغل الإنسان الإفريقي بعد أو وضعه في مرتبة أدني فقط لكونه أسود أو ملامح وجهه أفريقية ولم يتقبل العالم الإختلاف، فكان أول استغلال للقارة الإفريقية هو استغلال الإنسان عبر تجارة حقيرة مذمومة للرقيق الأفارقة، "الذين سُلبوا من أوطانهم وسُلبت أوطانهم منهم"، ليجدوا أنفسهم يبنون مجد أمم أخرى ويسعون في بناء حضارات هي الآن تتعالى عليهم وتتنصل من مشكلاتهم.

ثم وجد العالم أن استغلال الإنسان الإفريقي ليس كافي، وأن هناك أكثر كثيرا من السيطرة على الممرات المائية، فتحرك العالم، مابين مستعمر، أو مُحتل، الجميع في طريق من اتجاه واحد تحت لافتة "إلي أفريقيا"، فسيطر العالم على كل شبر تقريبا في القارة، مابين احتلال عثماني، بريطاني، فرنسي، إيطالي، بلچيكي، ألماني، برتغالي، أسباني، حتى عماني ويمني عربي في شرق القارة وخاصة جزيرة (زنجبار) كما أسماها العرب.


منذ خمسينات القرن الماضي بدأت حركات التحرر السياسي الإفريقي، دول تلي الأخرى، حتى تحررت القارة تقريبا بنهاية سبعينات القرن الماضي وإن بقيت بعض الدول محتلة وتحررت في تسعينات القرن الماضي ومازالت بعض الجزر البسيطة والصغيرة حتى الآن محتلة، لكن بخروج المحتل سياسيا، بقي الاحتلال الاقتصادي والسيطرة على مقدرات الدول الإفريقية والتحكم والهيمنة على " الإدارة والإرادة الإفريقية"، سنوات طويلة لم تنال بعض الدول الإفريقية فيها من مفهوم الاستقلال أكثر من علم ونشيد وطني، لكن اللغة، العملة، العادات الإجتماعية، حقوق الاستغلال لكافة الثروات، التداخل السياسي، السيطرة على توجهات الجماهير، اختيار واستمالة الزعماء والمسؤولين، كل هذا بقي رهين الإحتجاز لدى المستعمر الذي خرج أو هكذا تخيلنا نحن الأفارقة، بينما كان باقيا، ممتصا لدماء الأفارقة مستأثرا بثروات ومقدرات الشعوب.


تغير العالم ، وظهر جيل جديد من الأفارقة يبحثون عن شراكات عادلة ومنصفة، وعن تعاون بناء ومصالح مشتركة واحترام متبادل، وساهم في تقوية ذلك ظروف صعبة تواجه العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا، ساهمت الظروف الدولية في الأعوام الأخيرة بحدوث اندماج للإقتصاد الإفريقي في الإقتصاد العالمي، وبظهور مفهوم جديد لدى الغرب والشرق يقضي بأن أزمات القارة جزء من أزمات العالم، لأنه وببساطة نتاج وانعكاس هذه الأزمات لن يبقي محصورا في أفريقيا بل يطير هذا الأثر في شكل تأثير على الإقتصاد الدولي، على سلاسل الإمداد والتموين العالمية، على أمراض مجتمعية تصيب العالم في شكل هجرات غير شرعية، وأخرى شرعية مؤثرة في ديمغرافية العالم، وجريمة منظمة وأخرى عابرة للقارات، وإرهاب يصنع ويعلب ويجهز ليُصدر يوما ما إلى خارج القارة.

رغم الظروف الصعبة ومشكلات القارة الدائمة، ظلت أزمة القارة الحقيقية في غياب الدولة الوطنية الأفريقية والزعماء والقادة الوطنيين، وبدا أن كثيرا منهم ولائهم للخارج أكثر من الداخل، وعمل كثيرا من القادة ضد شعوبهم وأوطانهم لكن قدموا كل شئ لحلفاء الخارج، لم يراعوا أبدا صالح شعوب القارة الأفريقية، لو أن شخصيات وطنية على رأس كل دولة وكل مؤسسة أفريقية لتغير الواقع كثيرا، لا يكفي أبدا دولة وطنية في مصر التي تمتلك تجربة ملهمة لشعوب القارة منذ العام 2014، وكذلك بعض الدول الإفريقية ذات التجارب المؤثرة، لتوجيه الإرادة الإفريقية نحو بناء الأوطان، المهم أن تظهر الوطنية بوضوح في معظم إن لم يكن كل القارة.


نحتاج دعم لهوية الدولة الوطنية الإفريقية، نحتاج للزعماء والمسؤولين الوطنيين الأفارقة، نحتاج للبناء معا، لنعمل لصالح القارة، ليدرك الجميع أن حب الوطن ليست فقط فضيلة وواجب إنما عمليا قوتنا الحقيقية بقوة أوطاننا وأن المصالح الشخصية لايمكن ولايجب أن تكون ضد مصالح أهلنا وأوطاننا، وأنه لاقيمة أبدا لأي شئ إذا فُقد الوطن.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز