البث المباشر الراديو 9090
رامي زهدي
طالت الأزمة السودانية، والظروف الإنسانية باتت في أقصى درجاتها وأصعب مراحلها، وعبر أكثر من عام على بدء الصراع السوداني الذي بدأ بعدائيات، ثم باقتتال تطور إلى حرب شاملة كاملة قد تتحول الآن مع طول الأمد والظروف الاقتصادية الصعبة والإنسانية الأليمة، إلى حرب أكثر اتساعا سواء جغرافيا أو على مستوى الأطراف المشاركة في الحرب في شكل حرب أهلية وقبلية وعشائرية معقدة ومتشابكة.

«الأزمة السودانية أزمة للمنطقة والقارة.. والسودان دولة عريقة لها دور مؤثر عبر التاريخ في أمن وسلم المنطقة والعالم»

«تاريخياََ، والآن، ومستقبلاََ، مصر الدولة الأكثر عنايةََ، وتقديراََ ودعماََ للشعب السوداني، والمساندة الشعبية ما بين الشعبين المصري والسوداني متبادلة من كلٍ منهما للآخر خاصةً في الظروف الصعبة وفي مواجهة التحديات»

السودان الدولة العريقة تواجه شبح الانهيار

السودان.. الدولة العريقة، قديمة التأثير في إفريقيا والعالم والمنطقة العربية والشرق أوسطية والقرن الإفريقي بمفهومه المتسع، شعب عظيم وأمة شاركت في صُنع السلام في فترات سابقة، ورغم الثورات الهائلة التي تمتلكها السودان، سواء ثروات كامنة أو ظاهرة، مُستغلة أو غير مُستغلة، إلا أن هذه الثروات نفسها وبسبب إما المطامع الخارجية أو سوء الإدارة داخلياَ كانت سببا دائما في شقاء الشعب السوداني الذي عانى عدم الاستقرر والحروب والنزاعات وتراجع أو انعدام الخدمات المعيشية الأساسية ومبادئ الحياة الكريمة.

رغم كل هذه الظروف على مدار عقود طويلة، ظل الشعب السودان متحملاََ راضياََ على الأقل بتوافر الأمن والاستقرار نسبياََ، لكن وبعد 4 سنوات من ثورة أنهت الحكم "البشيري" وصلنا إلى ما نحن عليه الآن، ورغم كل الاتهامات المتبادلة بين كل الأطراف، وحالة عدم الثقة وغياب اليقين يظل الشعب السوداني هو المُسدد الأول لكل الفواتير في حرب تكلفتها الاقتصادية المباشرة فقط تتجاوز أكثر من نصف مليار دولار أمريكي يومياَ مع الوضع في الاعتبار أن الحرب تجاوزت العام بشهور، وأن السودان ناتجها المحلي الإجمالي في أفضل الظروف لم يكن يتجاوز الـ50 مليار دولار في السنوات الأخيرة، وأن التكلفة الاقتصادية غير المباشرة وحجم الانهيار في الدولة هائل، وأكبر من قواعد الرصد والتقدير بالتوازي مع أزمات إنسانية من موت وإصابات وإعاقات، وتوقف عن العمل والتعليم، ونزوح داخلي وفرار ولجوء خارجي.

الجهود المصرية لم تتوقف ابدا

بجدية السعي والمسعي وإخلاص النوايا، والإدراك المصري العميق للواقع السوداني تاريخياََ، والآن، ومستقبلاََ، ظلت مصر الدولة الأكثر عنايةََ، وتقديراَ ودعماََ للشعب السوداني، والمساندة الشعبية ما بين الشعبين المصري والسوداني متبادلة من كلٍ منهما للآخر خاصةً في الظروف الصعبة وفي مواجهة التحديات.

ومنذ بدء الحرب السودانية وحتى قبلها، قدمت مصر كل الجهود السياسية والاقتصادية الممكنة لتجنب هذه الحرب، ثم وإن وقعت الحرب لا محالة وفعليا، استوعبت مصر الأزمة منذ البداية.

أولا باستعياب أمني لحدود مصرية سودانية ممتدة أصبحت خارج التحكم والسيطرة من الجانب السوداني، ثم بجهود مصر لإجلاء الرعايا المصريين من السودان، وكذلك ساعدت مصر كل دول العالم في إجلاء رعاياها، ثم استيعاب مكاني ونفسي لمئات الآلاف من السودانيين الفارين لمصر.

بالتوازي قدمت مصر كل المساعدات الإنسانية للشعب السوداني الباقي في مناطق الصراع أو النازح داخل السودان، وقامت مصر بجهود سياسية مهمة؛ لتنسيق الجهود الدولية لمحاولة حل الأزمة السودانية مع تصدي مصر دائما لأي محاولات هدم أو تقسيم للدولة السودانية أو استهداف المؤسسات السودانية الوطنية، والتدخل غير المبرر في الشأن السوداني الداخلي أو محاولة توجيه أو تغيير إرادة الشعب أو بث الشك بين الشعب، ومؤسسات الدولة خاصة قواته المسلحة والشرطة.

وحرصت مصر على تنظيم وإدارة توافق وحوار بين دول الجوار الست للسودان، إلى جانب مصر وأيضا دول جوار الجوار للسودان، كون هذه الدول الأكثر تفهما للأمور في السودان، وهي دول متضررة من الحرب وذات مصالح مباشرة في عودة الأمن والسلم للسودان سريعا، كما أن مصر وهذه الدول تمتلك أدوات فاعلة تمكنها من المساهمة في حل الأزمة.

مؤتمر القاهرة للقوى السياسية والمدنية السودانية يوليو 2024

تقريبا بعد عام من تنظيم مصر لمؤتمر دول جوار السودان، وبناءََ على كل الجهود المصرية والدولية، يأتي انعقاد مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية في القاهرة يومي 6 و7 يوليو الجاري كمحور مهم جدا من محاور التحرك المصري الإيجابي لوقف الحرب السودانية وحل الأزمة.

قد لا يكون هذا المؤتمر هو مؤتمر الفرصة الأخيرة أو الوحيدة، لكنه مؤتمر "الفرصة المهمة"، وقد لا ينتهي حتماََ بحل حاسم للأزمة السودانية يقضي بنهاية الحرب، ووقف العدائيات والاقتتال وبدء عملية سياسية شاملة تستوعب جميع الأطراف السودانية، إلا أنه يمكن أن يكون مؤتمر البداية الصحيحة لمسار يصل لعودة الدولة السودانية إلي الطريق، وحماية الشعب السوداني الذي يتعرض منذ أكثر من عام لاستنزاف أرواحهم، حياتهم، أموالهم، ويفقدون وطنهم يوماََ بعد آخر كلما طال أمد الصراع.

بينما يعول السودانيون والعالم من أصدقاء السودان الحقيقيين على الدور المصري الدائم، والجهود المصرية المخلصة التي لم ولن تتوقف من أجل دعم الشعب السوداني والحفاظ على وحدة أراضيه ووقف التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي السوداني حيث يأتي مؤخرا انطلاق مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية في القاهرة بالإضافة لتواجد مؤثر لكل الأطراف الدولية الفاعلة والمؤثرة وذات الصلة بالأزمة السودانية وحلها.

بينما حظيت بعض القوى السياسية المدنية بلقاء بقوى سودانية "مختلفة الرأي والمواقف" لأول مرة بشكل مباشر منذ اندلاع الاقتتال السوداني.

انطلقت أعمال مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية، في العاصمة الإدارية بالقاهرة، صباح اليوم السبت، بحضور الشركاء الإقليميين والدوليين المعنيين، بهدف التوصل إلى توافق بين مختلف القوى السودانية حول سبل بناء السلام الشامل والدائم، عبر حوار وطني سوداني- سوداني، يتأسس على رؤية سودانية خالصة.

ويبقي الدور المصري المؤثر في توفير فرص ايجابية لتلاقي الفرقاء جميعهم والأطراف المؤثرة أملا في توافر إرادة سودانية حقيقية ووطنية لحل الأزمة السودانية.

ويظل إيمان الإدارة المصرية الراسخ بأن النزاع الراهن في السودان هو قضية داخلية بالأساس، وأن أي عملية سياسية مستقبلية ينبغي أن تشمل كل الأطراف الوطنية الفاعلة على الساحة السودانية، وفي إطار احترام مبادئ سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، والحفاظ على الدولة ومؤسساتها.

والمؤتمر يمثل "خطوة" من خطوات مصرية عديدة ومؤثرة قامت بها مصر ومازالت من أجل استيعاب الأزمة السودانية والعمل سريعاََ من أجل وقف آلة الحرب المدمرة التي تدمر السودان ذاتياََ وتمضي به إلى حيث "اللاعودة"، لكن سوف تظل إرادة الشعب السوداني ذاتها هي طرف المعادلة الأكثر تأثيراََ لحل الأزمة ولعودة الدولة السودانية العظيمة إلى حيث ما يجب أن تكون عليه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز