البث المباشر الراديو 9090
رامي زهدي
ما بين انفتاح مصري علي القارة الإفريقية، ويقين راسخ للمكانة المصرية في وجدان الشعوب الأفارقة عبر تاريخ طويل، "مصر" كانت فيه مركز ثقل القارة الإفريقية وأهم نقاط اتصال القارة بالعالم، ومحور الأحداث الهامة في تاريخ القارة، وجزء مؤثر وهام من حاضرها وتطلعاتها نحو آفاق "المستقبل المشرق".


يتجاوز انتماء مصر لمحيطها الأفريقي، الأبعاد الجغرافية والتاريخية التقليدية، حيث يعد هذا الانتماء مكوناً رئيسياً من مكونات "الهوية" المصرية على مر العصور، وعنصراً "محورياً" في تشكيل المعالم الثقافية للشخصية المصرية، تلك الهوية التي تشكلت من خليط عربي اللغة، وإسلامي ومسيحي الديانة، وبحر متوسطي الثقافة، ونيلي أفريقي، وصحرواي بدوي.

رغم التاريخ العميق للدولة المصرية ذات البعد الإفريقي، الا ان إعلاء "هوية مصر الأفريقية"، وتعزيز الإنتماء لدول القارة، أكدته بجلاء نصوص ومواد الدستور المصري الجديد في العام 2014،و الذي أقره الشعب بإدراك ومضمون واعٍ ثم ما تلاه من تعديلات لتحسين وتطوير، حيث ذكرت جملته الأولى من الديباجة:

"مصر هبة النيل للمصريين، وهبة المصريين للإنسانية .. مصر العربية – بعبقرية موقعها وتاريخها - قلب العالم كله، فهي ملتقى حضاراته وثقافاته ومُفترق طرق مواصلاته البحرية واتصالاته، وهي رأس أفريقيا المطل على المتوسط، ومصب أعظم أنهارها: النيل".

ثم جاءت المادة الأولى من الدستور لتؤكد هذه القيم والمبادئ التاريخية بإعلانها أن "الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها، ومصر جزء من العالم الإسلامي، تنتمي إلى القارة الأفريقية، وتعتز بامتدادها الآسيوي، وتسهم في بناء الحضارة الإنسانية".

إنَ المتأمل لهذه النصوص الدستورية، يجد أنها تأتي في إطار سياق أعم وأشمل لعلاقات وروابط مصر بمحيطها الأفريقي، وتندرج فيما يمكن أن نطلق عليه منظومة "الوحدة الحضارية".، فيما يبدو واضحا ان المزيج المصري المتجانس، من أصل" المصريين" انفسهم ثم ما اضيف الي هذا المزيج من مكونات لم تغير قوامه الرئيسي أبدا، ولكن امتزجت في هدوء كل العناصر داخل هذا المزيج القوي لينتج لنا في النهاية "الشخصية المصرية" مجموع هوايات متجانسة اضافة الي اصل المزيج ومادته الأصلية المصرية النقية الأولي.

لكن، ورغم كل شئ نحتاج الي مزيدا من الجهد والعمل بشأن تعزيز مصطلح "الهوية الإفريقية المصرية تجاه محيطها الأفريقي"، لأن هذا ينعكس في شكل علاقات مصرية افريقية اقوي واوثق، وهو ما نحتاجه في المستقبل القريب والحاضر الآني، لان مصر تحتاج وبشدة افريقيا وافريقيا تحتاج وبنفس درجة الشدة مصر، وآليات العمل المصري تجاه القارة تحتاج لمزيداََ من التطوير لتحقيق تكامل فاعلية الآثر والتأثير المطلوب بما بتوافق في النهاية ما تحقيق المصالح المشتركة للشعوب الإفريقية ومنها الشعب المصري الذي يجب أن يؤمن ان صالح الشعب المصري جزء من صالح شعوب القارة الإفريقية وأن كلا منهما مُتصل لا ينفصل.

فيما هو آت، نحتاح لإعلاء مبادئ التعاون الإقليمي، وتبنى دور مصري في مجال التنمية البشرية والإقتصادية، وتوجيه ذلك في رسائل إعلاميا داخل مصر للشعب المصري وفي محيط القارة للشعوب الأفريقية التي منها من يعلم جهود مصر المخلصة لصالح القارة ومنهم من لايعلم ذلك، و في ظل ادراك وفهم مصري عميق لطبيعة مشكلات القارة ومنها المشكلات المزمنة التي تحتاج لحلول متدرجة ولكنها في اطار الحل الجذري الحاسم بالتوازي مع تفاعل مصري افريقي وتناول لكافة المعطيات المؤثرة في تحرك الأحداث داخل القارة بشكل مباشر وغير مباشر، بالإضافة لتواصل المساهمات المصرية في برامج الاتحاد الأفريقي والمؤسسات الإفريقية المختلفة والدولية ذات الصلة بالقارة، في مجالات الإغاثة، وحفظ الأمن والسلم ومكافحة الإرهاب.، وتبني الدولة المصرية بالتعاون والشراكة البنائة مع دول القارة القادرة علي ذلك، لسياسات دعم في هذا الشأن وإعلان مؤسسات الدولة لهذا الطرح، بالتوازي مع خطط دعم وشمول لجهود المجتمعات المدنية في مصر وربطها بنظيرتها في مختلف الدول الإفريقية، كل هذا يدعم كثيرا "مكان" و"مكانة" مصر في القارة الإفريقية.

كذلك، تبني مبدأ العمل على تنمية دول القارة عموماً، ودول حوض النيل خصوصاً، مع التأكيد والتوضيح الدائم لعدم الوقوف حائلاً ضد مصالح هذه الدول وهو ما تُصر عليه الدولة المصرية دائما وعبر تاريخها لكن بعض شعوب القارة تحتاج دائما لتأكيد ذلك،أيضا استناداً إلى أن التعاون بين دول "الحوض النيلي" هو السبيل الأمثل لتنمية واستغلال نهر النيل من جانب كل الدول الواقعة عليه.، وكذلك البحر الأحمر والذي يمثل اهم الممرات المائية في العالم ويحتاج لتوافر آليات داعمة لتعاون متكامل نشط بين الدول الإفريقية المشاطئة للبحر بعضها البعض وبين الدول الإفريقية والأسيوية المواجهة لها والتي تشترك في ذات البحر.

كذلك من ضمن دعائم الهوية المصرية الإفريقية، هو تعدد المبادرات والمساهمات المصرية في التجمعات الفنية والتنموية لدول القارة ، و تنوع سياسات وآليات التحرك المصري تجاه دول القارة ما بين سياسية واقتصادية وإعلامية وثقافية ومائية وزراعية، وإعلاء وإعلان مبادئي الندية والتكافؤ والمصالح المشترك كإطار حاكم لكل تعاون مصري افريقي.

بينما يظل الدعم المصري لجهود التنمية البشرية في دول القارة المختلفة من خلال إيفاد آلاف الخبراء المصريين عبر التاريخ والأن، واستقبال الآلاف من المواطنين الأفارقة للتدريب في مصر.، في اطار دعم حركة العقول والمهارات وتبادل الخبرات بين المكونات البشرية لدول القارة.

وكذلك التركيز على المؤسسات الإعلامية المصرية الرسمية والخاصة في إيصال مفاهيم الهوية الإفريقية وان مصر دولة إفريقية في الأساس وان افريقية مصر لاتنحصر ابدا في وقوعها جغرافيا في القارة، ووضع خطط لإبراز الدور المصري الكبير في القارة الأفريقية وإنه دور ضروري وحتى من واقع تطلعات الشعوب الإفريقية ونظرتها الدائمة لقيمة مصر.، لأن ارتباط مصر بإفريقيا امر حتمي له أبعاد إستراتيچية وأمنية تنعكس في مدخلات ومخرجات اقتصادية مؤثرة في نمو وتقدم مصر والقارة، ولايمكن إغفال إستمرار تنظيم فعاليات مصرية أفريقية حقيقية، في كل المجالات وزيادة فرص التعاون والتلاقي بين الشباب المصري والإفريقي، يراعي فيها التطور والتكنولوچيا واستعياب فكر وطاقات الشباب وفي كل المجالات ومن كل الخلفيات الثقافية والمجتمعية بالقارة.

وعلي مستوي الإعلام، من الضروري جدا، زيادة مساحة البرامج والتغطية الإعلامية للشأن الإفريقي وزيادة ظهور الأفارقة في وسائل الإعلام المختلفة، المادة الدرامية والفنون المصرية خاصة مع وجود أفارقة بالفعل بأعداد كبيرة في مصر لأسباب مختلفة لكنهم جميعا يشتركون في كونهم جزء واقع من نسيج المجتمع المصري، بحيث يتم توجيه الأعمال الفنية للحديث عن وجود الطلاب واللاجئين والمهاجرين الأفارقة في مصر وتغطية لمشكلاتهم والعمل على حلها، ودمج انشطة مشتركة بين الشباب المصريين وبين الشباب الأفارقة من غير المصريين، بشرط ان تكون انشطة حقيقية ذات استراتيچية وهدف وإدارة وتنفيذ محترف وعصري، وقد يكون من الممكن دراسة تأسيس وحدة الثقافة الإفريقية في وزارة الثقافة المصرية بحيث تكون معنية بشكل رئيسي بوضع خطط تعميق الهوية الإفريقية في مصر،وتعميق الهوية المصرية في افريقيا والعمل على تنفيذ ومتابعة هذه الخطط.

في النهاية، الهوية المصرية الإفريقية ليست هدفاََ في حد ذاتها او اختياراََ ضمن اختيارات متعددة، لكنها آليات وأدوات هامة تمتلكها الدولة المصرية دون غيرها من القوي الإقليمية والدولية، تمنح هذه الأدوات والآليات فرصاََ تنافسية وموضعاََ متميزا في القارة يصعب او يستحيل علي غير مصر ان يصل اليه، أبدا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز