رامي زهدي
ليس عجيبًا، التشابه الشديد بين المصريين خاصة في جنوب الوادي، وبين أفارقة في نطاقات جغرافية عديدة في القارة من حيث العادات، اللون أحيانًا، وحتى الثقافة، حتى الدول الإفريقية منها البعيدة جغرافيًا عن جنوب مصر، سواء في أقصى الغرب أو جنوب الساحل والصحراء الإفريقية، وحتى أقصى عمق القارة الإفريقية، تجد أيضًا تشابهًا ما بينها، وبين المصريون بجنوب الوادي، وهم جزء أصيل بل هم رُبما الأصل في الإنسان المصري، حتى أن اللغة النوبية، وهي مصرية أصيلة دون أي تداخل أو تشويه، تتحدث بها عدة قبائل إفريقية، وتفهمها شعوب كثيرة في القارة.
وبالتالي، وبكل هذه الشواهد، لم يعد الآن الأمر أو السؤال عن "إفريقية مصر" أم "مصرية إفريقيا"، بل أن الواقع التاريخي والمصير المُشترك والحاضر المُترابط بين مصر وأكثر من 50 دولة إفريقية، يعني أننا جميعًا أفارقة، وأن التاثير المصري واضح في مُعظم القارة.
الواقع الآن، والتاريخ الطويل المُمتد، والمُستقبل المُشترك يجعلنا جميعًا أمام تحدى الإيمان جميعًا، نحن الشعوب الإفريقية، بإفريقيتنا الأصيلة في إطارها العام مع قبول "الاختلافات العنصرية"، دون أن تتحول لـ "خلافات عنصرية"، بمعنى أن نُدرك أن هناك "إفريقي مصري" ، وآخر "إفريقي شمالي"، أو "إفريقي من الصحراء الإفريقية" أو "الساحل الإفريقي"، وهكذا، بمعنى أن يظل وصف وكلمة "إفريقي" رابط قوي متين بيننا جميعًا، و"مُجمع" لنا لا "مُفرق".
إفريقيا، قارة صاحبة فضل على حضارات العالم، هي ليست فقط "جزء من مُستقبل العالم" لكنها أيضًا مُساهم قوي في صنع حضاراته، العنصر البشري الإفريقي، كان المُساهم الأول في صنع حضارات الشعوب الأخرى في العالم، بينما كانت ثروات ومعادن القارة الكامنة والظاهرة، هي المحور الداعم الرئيس في بناء حضارات يُشار اليها الآن بالعظمة والرُقي.
إفريقيا التي تمتلك "ديمُغرافيا بشرية - عبقرية"، بنسب شباب تتجاوز 70% في معظم نطاقات القارة الجغرافية، وبمُتوسط أعمار 19 عامًا، وبنسب رجال ونساء مُتقاربة جدًا، وبالتالي فإن هذه القياسات والمؤشرات تعني أن القارة تمتلك معظم قوى العالم العاملة، والفئة الأقدر على الكسب، والفئة الأميل للإنفاق، وقيادة، وتنفيذ خطط التنمية، سواء في دولهم الإفريقية أو في العالم.
من دون أن نفتخر نحن "الأفارقة" بأنفسنا وبقارتنا، ونؤمن بقدراتنا، وإمكانيتنا، من دون ذلك لن يلتفت لنا أحد، "الإنسان" الذي يُدرك قدر ومكانة نفسه هو الأقدر على فرض احترامه وتقديره على الجميع، هذا ما نحتاجه نحن الأفارقة الآن ومُستقبلًا، يجب أن نعي أنها "إفريقيا واحدة" فريدة في كل شئ، وأن حتى نقاط ضعفها أو أي سلبيات بها لن تكون عائق أمام تقدمها المنشود، طالما أن أبناء القارة يمتلكون "الحلم"، "الإرادة"، و"الطموح".
نسب النمو المتوقعة سواء اقتصاديًا أو حضاريًا في إفريقيا، هي الأعلى في العالم، بينما يُقدر سكان المناطق والمدن الحضارية بالقارة الآن بحوالي 650 مليون نسبة، يتوقع زيادتهم إلى نحو مليار نسمة بحلول 2030، مما يعني أن التطور، المدنية، والحضارة المُتقدمة الحديثة في انتظار معظم دول القارة، مما قد يجعل القارة في السنوات المُقبلة الملاذ الآمن للاقتصاد العالمي، والأمل الكبير لعلاج أزمات صعبة اقتصادية واجتماعية تواجه دول العالم.
حتى أن المُتابع لنمط الحياة، وشكل وملامح السكان فى أحد العواصم أو المُدن العالمية الكبرى، باريس، لندن، نيويورك، برلين.. أو حتى في آسيا، يجد العرق الإفريقي حاضرًا في تكوين هذه الشعوب، شكلًا ومضمونًا، منهم من أصبح يحمل جنسية هذه الدول، ومُنذ أجيال ثلاثة أو أربعة سابقة، ومنهم من هو موجود للعمل أو للسياحة أو لأي من أسباب ودواعي السفر المُعتادة، مما يعني أن الأفارقة في تواجد واتصال دائم مع العالم، وأن هذا أحدث أثرًا لهم وتأثرًا بهم، وأنه لم يعُد من المُناسب أبدًا ولا الحكمة، استمرار البعض في العالم سواء دول أو حكومات أو شعوب بالنظر بتعالي أو بتجاهل للأفارقة، وكأنهم "درجة إنسانية أدنى" أو تجاهل مشكلات شعوب القارة من فقر، جوع، مرض أو صراعات، واعتبارها شأن يخص فقط أصحابها دون إدراك أن مُشكلات القارة جزء من مشكلات العالم، وأن تحسن حال ومستوى معيشة الشعوب الإفريقية في النهاية، هو تحسن وفائدة غير مُباشرة لكل شعوب العالم، وأن الإنسانية تحتاج جهود الأفارقة مثلما تحتاج جهود العالم أجمع.
أخيرًا، "تحيا إفريقيا بنا، بشبابها، برجالها، بنسائها.. بنا جميعًا نمضي إلى حيث ما يجب أن نكون.. تحيا إفريقيا".