رامي زهدي
يُعد طريق "القاهرة - كيب تاون" واحدًا من أكثر مشاريع البنية التحتية طموحًا في القارة الإفريقية، والذي يعبر عدة دول، ويهدف إلى ربط شمال إفريقيا بجنوبها، مما يُعزز التجارة والسياحة والتنمية الإقليمية، ويقرب كثيرًا من وحدة إرادة وتوجه ورؤية شعوب القارة نحو العمل من أجل التنمية والأمن والسلم بكافة ربوع القارة الإفريقية.
يُعتبر الطريق حيويًّا لتسهيل حركة البضائع بين دول شمال وجنوب إفريقيا، حيث أنه من المتوقع أن يؤدي لزيادة حجم التجارة بين هذه الدول، مما يُسهم في تعزيز الاقتصادات المحلية، وخلق فرص عمل، ودعم سلاسل الإمداد والتموين المحلية لدول القارة، التي يمر بها أو التي جوار الطريق، وكذلك سلاسل الإمداد والتموين القارية بالنسبة لعموم القارة الإفريقية بمُختلف دولها ونطاقتها الجغرافية، وعلى مستوى قطاع السياحة الإفريقية، سيدعم الطريق بشدة حرية حركة الأفراد بين الدول الإفريقية، والأفراد من خارج القارة لأغراض السياحة والاستجمام والاستشفاء، حيث يشتهر الطريق بمناطره الطبيعية الخلابة، وتراثه الثقافي الغني، وسيعد الطريق وسيلة لحركة الُسياح بين الوجهات الشهيرة مثل الأهرامات في مصر، وشلالات فيكتوريا في زامبيا وزيمبابوي، مما يُسهم في تعزيز القطاع السياحي الإفريقي ويظهر مُنتج سياحي مُختلف تمامًا محققًا عوائد سياحية مباشرة مرتفعة جدًا.
وعلى مستوى أهمية الطريق من حيث دعمه كمشروع لآليات ونطاق عمل وشكل ومضمون التعاون الإقليمي، سيُمثل مشروعًا هامًا للتعاون بين الدول الإفريقية، مما يُسهم في تحسين العلاقات بين الدول ويعزز من التكامل الإقليمي، حيث أن التعاون بين الدول المشارِكة يعزز من الاستقرار السياسي والاقتصادي ويضع المصالح المشتركة للدول مجتمعة أكبر من المصالح الفردية لبعض الدول، والتي قد تتعارض مع مصالح دول أخري مما كان يساهم في خلق الصراعات والنزاعات.
الطريق
يمتد طريق "القاهرة - كيب تاون" لأكثر من 11.000 كيلومتر، ويعبر 9 دول إفريقية هي مصر، السودان، إثيوبيا، كينيا، تنزانيا، زامبيا، زيمبابوي، جنوب إفريقيا، وناميبيا، والطريق يتنوع في تضاريسه بين الصحارى والجبال والغابات، مما يجعله واحدًا من أكثر الطرق تنوعًا في العالم.
يتضمن المشروع إنشاء عدد من الجسور والأنفاق، التي تهدف إلى تحسين الحركة والسلامة على الطريق، وكذلك يشمل المشروع إنشاء محطات للوقود والمطاعم ومراكز الصيانة، مما يُسهم في تسهيل حركة النقل للبضائع والمُسافرين، وتدعم كل هذه المشروعات الفرعية فرص العمل والاستثمار للأفراد والكيانات الإفريقية.
ويتضمن المشروع تنفيذ بنية تحتية رقمية على طول الطريق لتوفير المعلومات الحالية والحماية من الحوادث، في إطار منظومة حديثة مُتطورة من الحوكمة والتحول الرقمي الكامل لتسهيل تمرير المعلومات التشغيلية والأمنية للحفاظ على أمن وسلامة الحركة على الطريق، وكذلك حماية أمن وسلامة المنشآت المختلفة والعاملين.
التنفيذ
المشروع، بدأ في الربع الأخير من القرن العشرين، وقد شهد مراحل تنفيذ مختلفة، بداية من التخطيط، حيث بدأت الدراسات التخطيطية لهذا الطريق في الثمانينات من القرن الماضي، وتم تحديد المسار والشركاء المحتملين، وآليات التنفيذ الممكنة في ذلك التوقيت، ثم تم تحديث ذلك في مراحل لاحقة لاستعياب المُتغيرات المُختلفة التي حدثت في المنطقة والعالم وكذلك لتطبيق أحدث التنكولوچيات التي ظهرت أو اسُتحدثت لاحقًا، وعلى مستوى التمويل للمشروع، تم جمع التمويل من عدة جهات، بما في ذلك الحكومات المحلية والمؤسسات المالية الدولية الداعمة، حتى انطلقت أعمال الإنشاء فى عدة دول بالتوازى، مع التركيز على الأجزاء الأكثر ازدحامًا والتي تعاني من نقص في البنية التحتية.
وفي مصر تحديدًا، والتي يبلغ نصيبها من طول الطريق نحو 1000 كيلو متر، انتهت مصر بالكامل من كافة مراحل الطريق، وربطه بشبكة الطرق المصرية المُتطورة، حيث تشهد مصر نموًا وطفرة غير مسبوقة في قطاع الطرق من حيث الإتاحة، والتغطية، وجودة الطرق، والتشغيل، والصيانة، وتمتلك مصر خبرات وإمكانيات هائلة في هذه المجال تحديدًا.
التشغيل
لم يتم تحديد تاريخ نهائي لتشغيل الطريق بالكامل، ولكن تشير التوقعات الحالية إلى أنه من المُمكن أن يتم تشغيل الأجزاء الرئيسية من الطريق في السنوات القليلة المُقبلة، لكن على الأغلب وبحلول 2025 يُمكن البدء بالسير الآمن على مُعظم مراحل الطريق الذى انتهت مراحل كثيرة منه، ورُبما بقيت نقاط الربط الحدودية، وأنظمة تشغيلها وتأمينها في مراحل الاستكمال والحوكمة، وبصفة عامة يعتمد التشغيل التام للطريق على تقدم الأعمال الإنشائية والتمويل، خصوصًا وأنها تختلف من دولة لدولة لاختلافات مُتعددة في الظروف والإمكانات.
التحديات
رغم أهمية الطريق، إلا أن هناك مجموعة من التحديات مازالت تواجه المشروع في مراحله الأخيرة، منها تحديات التمويل، فرغم حصول المشروع على تمويلات مُتعددة، إلا أن التكاليف المُرتفعة وتمويل المشاريع الكبيرة تُمثل تحديًا كبيرًا، خاصة أن الظروف الاقتصادية، وأزمات العملات والنقد الأجنبي، وارتفاع أسعار الخامات وتكاليف الإنشاء تواجه جميع دول العالم، وتبدو المشكلة أوضح لدى مُعظم دول القارة الإفريقية، التي في الأساس كانت تُعاني من ظروف اقتصادية صعبة خاصة بهذه الدول قبل أن تتحول الظروف الاقتصادية الصعبة لظروف عالمية تطال الجميع.
كذلك تُعاني بعض الدول التي يمر بها الطريق من عدم الاستقرار السياسي، مما يؤثر سلبًا على أعمال البناء والحركة التجارية، بالتوازي مع ظهور حركات انفصالية أو صراعات محلية داخلية أو انتشار لأعمال الإرهاب والجريمة المُنظمة في بعض المُدن أو بجوارها ممن يشملها مسار الطريق الطويل.
يظل تحدي ضعف مستوى البنية التحتية في عدد من الدول المار بها مسار الطريق هو الأصعب، حيث تتطلب الكثير من المناطق تحسينات كبيرة في البنية التحتية، بما في ذلك الطرق الفرعية والجسور، ما يؤدي لتأخير في المراحل النهائية لأن الطريق في النهاية يجب أن يتم تشغيله كوحدة واحدة مُتكاملة ومُتسقة ومُتجانسة تمامًا حتى مع اختلاف نقاط الطريق والمدن والعواصم المار بها.
كذلك العوامل البيئية والآثار السلبية حديثة الظهور للتغيرات المُناخية، تُمثل تحد آخر للمشروع، حيث يجب مراعاة حماية البيئات الحساسة، التي قد تتأثر بعمليات البناء، وهو ما يُعتبر تحديًا إضافيًا لأعمال الإنشاء، ومن بعدها التشغيل وحركة سير الأشخاص والبضائع، ومُعدات الصيانة على الطريق.
جوهرة الطريق
الإسكندرية بداية الطريق، إلا أن القاهرة هي محطته الأولى والرئيسية والأهم لأسباب مُتعددة ليس من بينها أن كاتب المقال "مصرى" مُتعمق بالتحيز لوطنيته وشرف جنسيته المصرية، ولكن بعين الخبير الذي زار مُعظم مُدن وعواصم مسار الطريق، وصولًا حتى المدينة الساحرة "كيب تاون" بجنوب إفريقيا، الأسباب كثيرة تجعل القاهرة "جوهرة الطريق"، منها أنها العاصمة الأكبر والأهم في القارة والمنطقة، وصانعة القرار الإفريقي والعربي والشرق أوسطي، ونقطة من أهم نقاط اتصال القارة بالعالم، ومُلتقى لأهم مؤسسات وهيئات ومُنظمات القارة والعالم، والمدينة ذات البنية التحتية الأعظم والأحدث بما في ذلك العاصمة الإدارية الجديدة، وعدد من المُدن والأحياء الذكية المُتطورة، وكلها أجزاء من القاهرة العملاقة.
القاهرة كذلك، الأبرز تعليميًا، وصحيًا، وسياحيًا، وهي الزاخرة بأعداد كبير من المؤسسات التعليمية، والجامعات، والمؤسسات الصحية، والعلاجية، والسياحية، وشبكة متطورة جدًا من وسائل النقل والمطارات، وتوافر كافة الأنشطة الاقتصادية في مدينة واحدة بهذا الحجم ثم يتم ربط كل هذا بمسار طريق مُتكامل بهذا الطول، يجعل القاهرة "غاية لكل غاية" ووجهة لكل إفريقي، وقريبة من الجميع.
كذلك يفتح الطريق مسارًا للشعب المصري نحو استكشاف القارة، إما للسياحة أو للعلم أو للعلاج أو للعمل والاستثمار، وتكون القاهرة بداية ومركز وبوصلة اتجاه المصريين نحو القارة، كذلك مُعدلات النظام والأمن في القاهرة هي الأعلى في القارة، وفي وجود مثل هذا الطريق تصبح القاهرة مركزًا لأهم أحداث القارة بشكل أكثر مما هي عليه الآن، ونقطة التقاء الجميع، لذلك حقًا أن تُوصف "القاهرة" في السنوات المُقبلة بجوهرة طريق "القاهرة - كيب تاون"، إذ كانت في الأساس هي جوهرة مدن القارة كلها وأقدمها واكثرها ثراءََ ثقافي وتاريخي.
أخيرًا، يجب أن يُدرك الجميع، دول وحكومات وشعوب أن المشروع هو ممر تجاري وإنساني غير مسبوق عبر التاريخ الإفريقي منذ أن كان حلمًا لدى المُستعمر البريطاني لربط مُستعمراته الإفريقية ببعضها البعض، وكان قد شرع فعلًا في تنفيذه، إلا أن المشروع كان أكبر من ظروف وإمكانية تنفيذه آنذاك.
الحقيقة، أن الطريق يمثل مشروعًا فريدًا يُعزز من الربط بين شمال وجنوب إفريقيا، ويُسهم في تعزيز التجارة والسياحة والتعاون الإقليمي، ورغم التحديات التي يواجهها، فإن التفاؤل كبير بشأن مُستقبله وتأثيره الإيجابي على القارة، لكن تحقيق هذا المشروع بهذا المستوى يستدعي تعاونًا دوليًا مُستمرًا والتزامًا قويًا من الدول المعنية، لتحقيق حلم الاتصال الفعال والمُستدام بين شعوب إفريقيا.
وفي النهاية، فإن نجاح هذا المشروع لا يعتمد فقط على البنية التحتية، بل أيضًا على رؤية مشتركة تكفل لشعوب القارة تحقيق مزيد من الرخاء والتقدم والمضي قُدمًا نحو مستقبل مُشرق يُصنع بأيادينا نحن الأفارقة.