البث المباشر الراديو 9090
الكاتب محمد عبدالمنعم
في عصر التحول الرقمي المتسارع، أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) أداة قوية تؤثر على شتى جوانب الحياة، من الاقتصاد إلى الصحة والتعليم، ومع ذلك، يعتبر الذكاء الاصطناعي أيضًا من أخطر الأدوات المستخدمة في نشر الشائعات وتضليل الرأي العام، مما يخلق ما يُعرف بـ"حرب الشائعات".

في هذه الحرب، يُستغل الذكاء الاصطناعي للتلاعب بالمعلومات ونشر الأخبار الكاذبة بسرعة ودقة غير مسبوقة، مما يعزز التحديات التي تواجه الأفراد والمجتمعات وحتى الحكومات في التصدي لهذا النوع من التضليل.

كيف يتم استخدام الذكاء الاصطناعي في نشر الشائعات؟

نماذج اللغة التوليدية

تُعد نماذج اللغة المتقدمة، مثل ChatGPT وغيرها، قادرة على إنشاء نصوص ومقالات بشكل تلقائي استنادًا إلى المدخلات التي تتلقاها، إذا تم تدريبها على بيانات غير دقيقة أو مضللة، يمكن لهذه النماذج أن تقدم معلومات غير صحيحة عن طريق الخطأ.

قد تتضمن هذه المعلومات تفاصيل حول أحداث غير واقعية أو افتراضات مضللة، وتبدو كأنها معلومات موثوقة عند تداولها، مما يسهم في نشر الشائعات.

تتعدد أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة لنشر الشائعات، والتي تشمل البرمجيات التوليدية مثل نماذج اللغة المتقدمة التي يمكنها إنشاء محتوى مكتوب ومقاطع صوتية وفيديوهات، إذ يتم استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء مقاطع فيديو زائفة وصور مُعدلة تعرف بتقنيات "التزييف العميق" (Deepfake)، التي تعتمد على الشبكات العصبية التوليدية (GANs) لتوليد مقاطع تبدو حقيقية.

يُمكن أن تُصور هذه التقنية شخصيات عامة في مواقف لم تحدث في الواقع، مما يؤثر على سمعتهم ويدمر ثقة الجمهور في مصادر المعلومات.

التعلم من البيانات الخاطئة

إذا كانت بيانات التدريب تحتوي على معلومات مشوهة أو مضللة، فقد ينتج عن نماذج الذكاء الاصطناعي فهم مشوه للحقائق؛ إذ تكرر هذه الأنظمة الشائعات أو الأساطير بطريقة تجعلها تبدو حقيقية وموثوقة، هذا الأمر يزيد من صعوبة التفريق بين الحقيقة والشائعة، خاصة عندما تأتي المعلومات من نماذج ذكاء اصطناعي يفترض البعض أنها دقيقة وموضوعية.

التأثيرات المحتملة للشائعات التي يطلقها الذكاء الاصطناعي

الشائعات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي لها آثار سلبية واسعة النطاق، حيث تساهم في نشر الفوضى وتضليل الجمهور.

خلال الأزمات، تستغل بعض الجهات هذه الأدوات لنشر المعلومات المضللة التي تُثير الذعر وتؤثر سلبًا على القرارات الجماعية، كما حدث خلال جائحة كورونا، سياسيًا، تُستخدم هذه الأدوات للتأثير على الانتخابات وزعزعة الاستقرار عبر حملات موجهة لتضليل الرأي العام، إذ تُصمم الروبوتات والحسابات المزيفة لنشر الأخبار الكاذبة بوتيرة سريعة وموجهة بدقة.

كيفية مكافحة الشائعات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي

تعمل المؤسسات التقنية على تطوير أدوات لكشف المحتوى المزيف، مثل تقنيات التحقق من الصور والصوت، بالإضافة إلى تعزيز الإشراف على المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

علاوة على ذلك، يتطلب الأمر مزيدًا من الوعي المجتمعي لتمييز الحقائق من الشائعات، وضرورة التعامل بحذر مع المعلومات التي تنشئها نماذج الذكاء الاصطناعي، وعدم الاعتماد الكامل عليها دون التحقق.

تشمل جهود التصدي للشائعات، استخدام الذكاء الاصطناعي، لمكافحة الذكاء الاصطناعي نفسه، من خلال نماذج تحليل النصوص والصور التي يمكنها اكتشاف التزييف العميق والشائعات المصطنعة، كما تعمل الشركات الكبيرة مثل "فيسبوك" و"تويتر" على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تميز الأخبار الزائفة وتحذر منها، بينما يتم تشجيع الأفراد على تعزيز الوعي الإعلامي والتحقق من مصادر الأخبار.

وفي النهاية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون سلاحًا ذو حدين؛ فهو قادر على تسهيل الحياة البشرية، ولكنه، في الوقت نفسه، قد يصبح مصدرًا للشائعات والأخبار الكاذبة التي تزعزع استقرار المجتمعات. لذا، يصبح من الضروري تعزيز الجهود المشتركة لمراقبة المحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي، وتطوير تقنيات حديثة للتحقق من صحة المعلومات، حتى لا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة إيجابية إلى مصدر للإثارة والمعلومات الخاطئة.

بمعنى أنه يتيح فرصًا للتطور والنمو من جهة ويشكل تهديدًا من جهة أخرى، خصوصًا إذا أُسيء استخدامه في نشر الشائعات وتضليل المجتمعات. لذا، فإن التحدي اليوم يكمن في وضع أطر وضوابط قانونية وأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وزيادة الوعي المجتمعي بأهمية التحقق من المعلومات لمكافحة التأثيرات السلبية لهذه التقنية.

نموذج لشائعة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في مصر

تمثل في تداول صور معدلة تظهر آثار تاريخية مصرية تتعرض لضرر أو تدمير، مثل الأهرامات أو تمثال أبو الهول، وانتشرت هذه الصور بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، مما أثار القلق لدى الجمهور بشأن "هجمات تخريبية" مزعومة على هذه المعالم، وقد استغل مروجو الشائعة تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعديل الصور بشكل متقن لإظهار هذه المعالم، وقد تعرضت للضرر، مما جعل الشائعة تبدو أكثر مصداقية وساهم في سرعة انتشارها.

والحقيقة أن الذكاء الاصطناعي قام بتعديل الصور، واستخدم مروجو الشائعة أدوات الذكاء الاصطناعي لتزييف الصور بأسلوب احترافي بحيث تظهر فيها الآثار المصرية بشكل مقنع كأنها متضررة، ثم انتشرت الصور المعدلة عبر حسابات مجهولة الهوية ومجموعات عامة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أدى إلى إشاعة القلق حول "تهديدات" تمس التراث المصري.

ردت وزارة السياحة والآثار المصرية ببيان رسمي، نفت فيه الشائعة، وأكدت أن المواقع الأثرية آمنة وتحت حراسة مشددة، وأشارت إلى أهمية الحذر من الأخبار المزيفة، كما تم نشر توضيحات عبر وسائل الإعلام الرسمية وصفحات الجهات المعنية على وسائل التواصل لتوعية الجمهور بخطورة المعلومات الكاذبة والاعتماد على المصادر الرسمية، وقد استخدمت الجهات المختصة أدوات تحليل الصور المتقدمة لكشف التزييف وتوضيح التفاصيل التي تكشف زيف الصور المعدلة.

تعكس هذه الشائعة أهمية التحقق من المعلومات وعدم الاعتماد على الصور المنتشرة عبر الإنترنت دون التأكد من صحتها، خاصة في ظل التطور الكبير في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الذي يسهل التلاعب بالصور والمعلومات.

نموذج حديث لشائعة تولدت باستخدام الذكاء الاصطناعي

هو انتشار صور معدلة لرئيس دولة خلال موقف مثير للجدل، ففي العديد من الحالات، يُستخدم الذكاء الاصطناعي، مثل أدوات التزييف العميق (Deepfake)، لتعديل صور شخصية عامة، مما يخلق انطباعًا بأن الرئيس قام بعمل غير معتاد أو كان في مكان أو موقف يثير الجدل، هذه الشائعة اعتمدت نشر صورة زائفة لرئيس دولة يظهر فيها وهو يلتقي بشخصية سياسية معارضة أو يظهر في تجمع سياسي حساس، أو في موقف قد يؤثر سلبًا على شعبيته.

استخدم مروج الشائعة، التزييف العميق (Deepfake)، لتعديل ملامح الوجه وإضافة تعابير معينة، وتم تحرير الصور بالفوتوشوب أو برامج مشابهة لتوليد تفاصيل دقيقة تجعل الصورة تبدو واقعية إلى حد بعيد، وتمت مشاركة الصورة بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك، وعلّق العديد من الأشخاص على الصورة دون تحقق من صحتها.

بادرت الجهات الإعلامية الرسمية بنشر تصريحات تفيد بعدم صحة الصورة، مع توضيح الآثار المترتبة على مثل هذه المعلومات الزائفة، وفتحت السلطات المحلية تحقيقًا لمعرفة مصدر الصورة ومحاسبة القائمين على نشرها.

هذا النموذج يوضح كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التأثير في الرأي العام وتشكيل تصورات خاطئة حول شخصيات أو أحداث سياسية، وهو ما يدعو إلى التحقق من مصادر الأخبار وضرورة وجود قوانين صارمة لمنع تداول المحتويات المزيفة.

 

محمد عبد المنعم

* أمين عام اتحاد الناشرين المصريين.

* مساعد رئيس كتلة الحوار للشئون العربية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز