البث المباشر الراديو 9090
رامي زهدي
تمثل الزراعة أحد أهم القطاعات الاستراتيجية في إفريقيا، حيث يعتمد عليها ما يقرب من 60% من السكان في كسب رزقهم، وتساهم بما يصل إلى 15 لـ30% من الناتج المحلي الإجمالي في عديد من الدول الإفريقية، بفضل الأراضي الخصبة والمناخ المتنوع.

وتمتلك القارة إمكانيات هائلة لتحقيق الأمن الغذائي، والنهوض باقتصاداتها من خلال القطاع الزراعي. ومع ذلك يُعاني القطاع من مشكلات متجذرة تعرقل تقدمه، مثل التغير المناخي، ضعف البنية التحتية، ونقص التكنولوجيا.

وفي هذا الإطار جاء انعقاد قمة الاتحاد الإفريقي الاستثنائية في أوغندا، خلال الفترة من 9 إلى 11 يناير 2025، تحت شعار "تسريع تنفيذ أجندة التنمية الزراعية، والتحول الزراعي في إفريقيا لتحقيق الأمن الغذائي وتحفيز النمو الاقتصادي."، لوضع خريطة طريق جديدة تهدف إلى تطوير القطاع الزراعي في القارة.

تمتلك إفريقيا ما يقرب من 60% من الأراضي الصالحة للزراعة على مستوى العالم، ولكنها تسهم بأقل من 10% من الإنتاج الغذائي العالمي، ويعتمد نحو 70% من السكان في إفريقيا جنوب الصحراء على الزراعة بشكلٍ مباشر، أو غير مباشر، ويُعد هذا القطاع مصدرًا رئيسيًا للتوظيف، حيث يعمل فيه أكثر من 50% من القوى العاملة.

بينما، يُقدر الإنتاج الزراعي السنوي في إفريقيا بحوالي 300 مليار دولار، إلا أن الاستثمارات يمكن أن تضاعف هذا الرقم بحلول 2030.

وتُسهم الزراعة بنسبة تصل لـ30% من صادرات القارة، حيث تعد المنتجات الزراعية؛ مثل: البن، والكاكاو، والشاي، والموز من أبرز السلع التصديرية، في وقت يُتوقع أن يصل عدد سكان القارة إلى 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050؛ مما يزيد الطلب على الغذاء بنسبة 70% على أقل تقدير.

وعلى الرغم من الموارد الهائلة، تعاني إفريقيا من عجز غذائي سنوي يُقدر بـ35 مليار دولار، ويتوقع أن يرتفع لـ110 مليارات دولار خلال 2025 إذا لم تُتخذ إجراءات فعالة.

ولذ؛ تعد قضية الأمن الغذائي من أبرز التحديات التي تواجه القارة، حيث يعيش حوالي 20% من سكان إفريقيا في حالة انعدام غذائي، مع الوضع في الإعتبار عن انعدام الأمن الغذائي في القارة، أو ضعفه - هو في حد ذاته - مدخل لفقدان الأمن، والاستقرار بمفهومه المتسع.

الأسباب الرئيسة لضعف النشاط الزراعي في القارة على الرغم من الإمكانيات:

التغير المناخي

يتسبب في تقلبات موسمية من أمطار، أو جفاف، أو أعصاير، أو غير ذلك، تؤثر سلبًا على الإنتاجية الزراعية.

نقص المياه

يعتمد حوالي 95% من الأراضي الزراعية في إفريقيا جنوب الصحراء على الأمطار؛ ما يجعلها عرضة للجفاف، لا سيما أن معدلات هطول الأمطار قلَّت في السنوات الأخيرة في هذه المنطقة.

البنية التحتية

ضعف شبكات النقل والتخزين يؤدي إلى فقدان ما يصل إلى 30% من المحاصيل الزراعية بعد الحصاد.

البنية التشريعية وإنفاذ القانون

كلما ضعف الأداء الحكومي وآليات التشريع للقوانين الزراعية والتجارية؛ كلما أثر ذلك سلبا علي النشاط الزراعي والاقتصادي في دول القارة.

الحروب والصراعات

بالتأكيد مع استمرار النزاعات، والصراعات؛ لا يمكن ابدًا تحقيق الإستقرار، أو التنمية الزراعية المستهدفة.

التحديات التي تواجه التنمية الزراعية في إفريقيا

التغير المناخي

بحسب تقرير للبنك الدولي، يمكن للتغير المناخي أن يؤدي إلى انخفاض إنتاج الحبوب بنسبة 30% بحلول 2030، حيث تواجه مناطق مثل الساحل وشرق إفريقيا تهديدات حقيقية من التصحر والفيضانات.

ضعف التمويل الزراعي

تمثل الاستثمارات الزراعية أقل من 10% من الميزانيات الوطنية في معظم الدول الإفريقية، على الرغم من توصيات الاتحاد الإفريقي برفعها إلى 20% على الأقل.

نقص التكنولوجيا والرقمنة

تعتمد معظم المزارع الإفريقية على أساليب تقليدية، حيث لا تتجاوز إنتاجية الهكتار الواحد من الحبوب في إفريقيا 1.5 طن مقارنة بـ3.5 طن عالميًا.

ضعف البنية التحتية

عدم توفر طرق حديثة ومرافق تخزين؛ يؤدي إلى فقدان جزء كبير من الإنتاج قبل وصوله إلى الأسواق.

وقد جاءت قمة الاتحاد الإفريقي بعنوان "تسريع تنفيذ أجندة التنمية الزراعية والتحول الزراعي في إفريقيا لتحقيق الأمن الغذائي وتحفيز النمو الاقتصادي"، لتناقش مستقبل الزراعة، ودورها في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

تناولت القمة عدة محاور رئيسية

تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي

تقليل الاعتماد على الواردات الغذائية.

تعزيز الشراكات الدولية

دعوة دول مثل مصر وجنوب إفريقيا؛ لتعزيز التعاون الإقليمي في الزراعة.

التوسع في الرقمنة

استخدام التكنولوجيا الحديثة لتحسين الإنتاجية الزراعية.

زيادة الاستثمارات الزراعية

حث القطاع الخاص على استثمار مزيد من الموارد في تطوير الزراعة.

شملت القمة، جلسات نقاشية حول أفضل الممارسات الزراعية العالمية، وورش عمل حول تقنيات الزراعة المستدامة، وتم إطلاق مبادرة "الزراعة الذكية مناخيًا" لمواجهة التغيرات المناخية، كما تم الإعلان عن إنشاء صندوق إفريقي للتمويل الزراعي برأسمال مبدئي قدره 10 مليارات دولار.

مستقبل الزراعة في إفريقيا

التكنولوجيا والرقمنة

يمكن للرقمنة أن تكون محركًا رئيسيًا؛ لتحسين الإنتاجية الزراعية.

ومن أمثلة ذلك، استخدام الطائرات دون طيار لمراقبة المحاصيل، وتطبيقات الهاتف المحمول لربط المزارعين بالأسواق مباشرة، والذكاء الاصطناعي؛ لتحليل البيانات المناخية وتوجيه الزراعة.

الاستثمار في البحث والتطوير

تطوير محاصيل مقاومة للجفاف وتحسين أنظمة الري يمكن أن يزيد الإنتاجية بنسبة 50% على الأقل.

الزراعة المستدامة

يتطلب تحقيق الاستدامة التركيز على التوسع في الزراعة العضوية، وتقنيات الري الحديثة لتوفير المياه، والحفاظ على التنوع البيولوجي.

يُشكِّل القطاع الخاص، والعمل الأهلي عنصرين أساسيين لتطوير الزراعة؛ فالقطاع الخاص مطالب بزيادة الاستثمار في البنية التحتية الزراعية والتكنولوجيا يمكن أن يضاعف الإنتاجية، أما العمل الأهلي والحزبي، فالجمعيات والمنظمات غير الحكومية تعمل على تدريب المزارعين وتقديم الدعم الفني والمالي، ومناقشة وصياغة وعرض القوانين المنظمة للعمل في هذا القطاع ودراسة وتقييم القوانين الحالية ومناقشة اوضاع العاملين في هذا القطاع من خلال الغرف التشريعية والرقابية المختلفة لكل دولة.

توصيات لتحقيق نهضة زراعية شاملة

تعزيز التعاون الإقليمي

من خلال تبادل الخبرات بين الدول الإفريقية.

زيادة التمويل

تخصيص جزء أكبر من الميزانيات الوطنية للقطاع الزراعي.

تشجيع الابتكار

تحفيز الشباب الإفريقي على العمل في مجال الزراعة من خلال مشاريع مبتكرة.

إصلاح السياسات

تحسين الحوكمة لضمان عدالة توزيع الموارد الزراعية.

أخيرًا، تمثل الزراعة بوابة إفريقيا لتحقيق التنمية المستدامة، والقضاء على الفقر، والجوع، ومع الإرادة السياسية، والتعاون الإقليمي، ودعم القطاع الخاص؛ يمكن للقطاع الزراعي أن يصبح قاطرة للنهوض بالقارة.

قمة الاتحاد الإفريقي في أوغندا تشكِّل خطوة مهمة نحو تحقيق هذا الهدف، ولكنها تحتاج إلى تنفيذ القرارات على أرض الواقع؛ لضمان النجاح.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز