البث المباشر الراديو 9090
جهاد الطويل
"التاجر لما يفلس يدور على قناة السويس".. هذه العبارة وعلى الرغم من أنها تحاكي مثالا شعبيا مصريا، إلا أنها صارت منذ اليوم، عبارة أمريكية خالصة، أو بمعنى أدق "ترامبية الطعم واللون".

في مساء السبت الماضي فاجأنا التاجر الأمريكي دونالد ترامب، عبر منصته "تروث سوشيال"، بقوله العبثي: "يجب السماح للسفن الأمريكية، العسكرية والتجارية على السواء، بالمرور بحرية -مجانا- عبر قناتي بنما وقناة السويس، وما كانتا لتتواجدا لولا الولايات المتحدة"، مطالبا وزير خارجيته ماركو روبيو، بأن يتولى "هذا الأمر على الفور".

يوم الأحد من نفس الأسبوع، شارك مستشار الأمن القومي الأمريكي مايك والتز منشورا لترامب، وكتب عبر منصة إكس: "الولايات المتحدة ينبغي ألا تدفع لعبور قناة تدافع عنها".

وإزاء هذه "الكوميديا السياسية"، كان منطقيا أن تلتزم مصر الصمت، ليس فقط لأن الرد في هذه الحالة لا يجدي، ولكن لأننا لسنا في حاجة إلى تعريف العالم بتاريخ إنشاء قناة السويس، ووضعها القانوني، وسيادتنا المطلقة عليها، أو استجداء دعم دولي، لتفنيد هذه الترهات.. فقصة 120 ألف مصري، روت دماؤهم القناة تلخص الحكاية وما فيها.

إن نبرة ترامب الواثقة وهو يتحدث عن وجوب إعفاء السفن الأمريكية من رسوم عبور القناة، تحت زعم حمايتها، لا تعبر فقط عن خلل إدراكي لطبيعة شعب مصر وما يملكه من حس شرس بالكبرياء الوطني، ولكنها تحمل تحديا للقانون الدولي الذي أعطى مصر الحق الحصري في إدارة القناة وتحصيل رسوم العبور بها.

وفقا للقانون الدولي، لا يحق لمصر أن تمنح أي استثناء لسفن أي دولة أيا كانت، والاستثناء الوحيد في هذا الشأن، يكون لسفن القوات البحرية المصرية فقط لا غير.

ولكى نضع المشهد فى إطاره الصحيح، ينبغى أن نذكر أن ثمة علاقة بين زيارة ترامب للمنطقة، وهذه التصريحات.

فمنذ تولى ترامب سدة الحكم في الولايات المتحدة، وهو يصدر قرارات بعقلية تاجر مبتز يهدف إلى الربح، دون النظر إلى أية قوانين أو أعراف دبلوماسية، أو احترام لمبدأ المساواة في السيادة بين الدول.

وكشف تقرير لصندوق النقد الدولي، عن حجم رسوم السفن التي يريد ترامب إعفاءها من عبور قناة السويس، لافتا إلى أن عدد السفن الأمريكية التي تمر من القناة، تقدر بنحو ألف إلى ألفي سفينة سنويا تمثل من 5% إلى 10% من إجمالي عدد السفن التي تعبر القناة وتصل إلى نحو عشرين ألف سفينة في المتوسط، بما يمثل نحو 12% من حجم التجارة العالمية، وهو ما يشير إلى أن رسوم عبور السفن الأمريكية تقدر بنحو 500 مليون إلى مليار دولار من إجمالي إيرادات القناة.

وعلينا أن ندرك أن ابتزاز ترامب لن يتوقف، فهو يدير علاقات بلاده الخارجية بعقلية التاجر وليس السياسي، ومن ثم فمن المنطقي ألا يلتزم بأية قوانين أو معاهدات أو اتفاقات.

وفى كل الأحوال، ستبقى قناة السويس شريانا حيويا للاقتصاد العالمي، ورمزا للسيادة المصرية، ولن يضيرها عواء "التاجر لما يفلس".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز