رامي زهدي
تعود قضية "عودة الفنون المنهوبة" اليوم إلى صدارة السجال العالمي، لا كموضوع تراثي، بل كمسألة سيادية وعدلية واستراتيجية، ترتبط بمفهوم العدالة التاريخية، وإعادة تصحيح العلاقة بين الجنوب التاريخي (إفريقيا والعالم العربي وآسيا) والشمال المهيمن.
تشير التقديرات إلى أن هناك أكثر من 90% من التراث الإفريقي موجود خارج القارة، وفقًا لتقرير شهير أعدّه المؤرخ السنغالي "فليكس نداي" والمفكر "الفرنسي بنديكت سافوي" لصالح الحكومة الفرنسية عام 2018.
فعدد القطع الإفريقية في المتاحف الفرنسية أكثر من 90 ألف قطعة، القطع الموجودة في المتحف البريطاني نحو 8 ملايين قطعة، معظمها من ممتلكات المستعمرات السابقة،بينما عدد القطع المصرية في متاحف العالم تتراوح بين 100 – 120 ألف قطعة أثرية، في وقت يمثل العائد السنوي من عرض القطع المصرية فقط دون باقي القطع الإفريقية في الخارج حوالي 2 - 3 مليار دولار.
وتشير هذه الأرقام إلى نُهب ثقافي واقتصادي منظم، جرى لعقود تحت غطاء الاستعمار، وما زال أثره قائمًا إلى اليوم.
عودة الفنون المنهوبة لم تعد مجرد طلب ثقافي، بل تحولت إلى ملف تفاوضي سياسي وسيادي، أصبحت الدول تطالب بقطعها بوصفها رموزًا لهويتها الوطنية، وتاريخها الممتد، وثروتها المعنوية.
ومن أبرز الأمثلة الحديثة: نيجيريا، حيث استعادت أكثر من 200 قطعة من "برونز بنين" من ألمانيا وبريطانيا منذ عام 2021، ضمن اتفاقيات ثنائية ودبلوماسية ثقافية.
والجزائر التي تفاوضت على استعادة جماجم المقاومين الجزائريين من متحف الإنسان في باريس، ونجحت في استعادة 24 جمجمة عام 2020.
وكذلك مصر، حيث استعادت الدولة المصرية أكثر من 29 ألف قطعة أثرية منذ عام 2011 حتى 2024، وفقًا لتقارير وزارة السياحة والآثار المصرية، أبرزها توابيت، تماثيل، وقطع من العصر الفرعوني.
مصر.. الدولة النموذج في استرداد التراث
منذ ثورة 30 يونيو، تبنّت الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مقاربة شاملة لملف حماية الهوية الوطنية، كان أحد أركانها استعادة الآثار المنهوبة، شهد الملف تنسيقًا عاليًا بين وزارات الخارجية، والآثار، والنيابة العامة المصرية، عبر استراتيجيات تشمل:
محاور التحرك المصري المتعددة، ومنها التوثيق الإلكتروني للقطع المسروقة والمُهربة، والتعاون الدولي مع اليونسكو والإنتربول.
إضافة إلي الدبلوماسية القانونية، حيث يتم مقاضاة دور المزادات وصالات العرض المشبوهة، والاستناد الي الاتفاقيات الثنائية مع الدول الأوروبية.
وقد نجحت مصر في استرداد قطع من فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة، إيطاليا، ألمانيا، السعودية، الكويت، سويسرا، وغيرها.
الأبعاد الاقتصادية لعودة الفنون
الفن والتراث لم يعدا مسألة "رمزية" فقط، بل لهما أبعاد اقتصادية مباشرة، منها:
الاقتصاد السياحي، حيث يعزز وجود القطع الأصلية في المتاحف المحلية من جاذبية المقاصد السياحية، مما ينعكس على أرقام الزوار، وتشير البيانات إلى أن وجود تمثال فرعوني أصلي في متحف مصري قد يضاعف عدد الزوار بنسبة 30 – 50%.
الاقتصاد الإبداعي الذي يُحفز التفاعل مع الفنون المحلية الأصيلة قطاعات التصميم، الأزياء، السينما، والديكور، مما يُغذّي اقتصاد المعرفة والإبداع.
وكذلك العدالة الاقتصادية، فقيمة القطع المنهوبة تُقدَّر بمليارات الدولارات في السوق الدولية، بينما الدول المالكة الأصلية لم تستفد ماديًا ولا ثقافيًا من إرثها المنهوب.
القارة الإفريقية وتحرير الذاكرة
إفريقيا هي القارة الأشد تضررًا من السطو الثقافي، نتيجة للحقب الاستعمارية الطويلة، واليوم، تشكّل "عودة الفنون" أحد رموز تحرر الوعي الإفريقي الجديد، وهي قضية تُطرح في الاتحاد الإفريقي، ومجموعة دول الساحل، ومؤتمرات الثقافة الإفريقية.
وهناك مبادرات بارزة، مثل إنشاء متحف الفن الإفريقي المعاد في بنين، والتحالف الإفريقي لاسترداد الفنون (AARP)، والعمل علي إدماج قضية الفنون المنهوبة في المفاوضات التجارية والثقافية بين إفريقيا وأوروبا.
الإطار القانوني.. بين الاتفاقيات والعجز
توجد عدة مواثيق دولية تحكم هذه المسألة، أبرزها، اتفاقية اليونسكو 1970،حيث تحظر الاتجار بالقطع المنهوبة بعد هذا التاريخ، واتفاقية لاهاي 1954 لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات.
وأيضا، اتفاقية UNIDROIT 1995،والتي تعزز إعادة الممتلكات الثقافية لأصحابها الأصليين.
لكن التحدي الصعب هنا، أغلب القطع المنهوبة خرجت قبل 1970، ما يُعقد المطالبة القانونية. وهنا تلعب الدبلوماسية الثقافية والسياسية دورًا أكثر أهمية من القانون المجرد.
الرؤية الاستراتيجية المقترحة لمصر وإفريقيا
يمكن إطلاق مظلة قانونية إفريقية موحدة لاسترداد التراث، بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي، وكذلك، إطلاق منصة رقمية قارية موحدة لتوثيق الآثار المنهوبة وتيسير تبادل البيانات مع اليونسكو والإنتربول.
إضافة إلى العمل علي ربط المساعدات الفنية والثقافية الأوروبية بمؤشرات التزام الدول المستقبلة بإعادة الفنون المنهوبة.
وكذلك ربما العمل علي استضافة مصر لمؤتمر دولي سنوي حول "عدالة التراث"، تكون فيه القاهرة عاصمة المطالبة العالمية للفنون المنهوبة.
الفن ليس حياديًا.. بل حاملٌ للهوية والمستقبل
لم تعد قضية الفنون المنهوبة شأنًا ثقافيًا محصورًا بالمؤرخين، بل هي جزء من معركة العالم النامي لاستعادة كرامته، ذاكرته، وعدالته، هي جزء من المعركة الكبرى من أجل السيادة، ومن أجل أن نُعرّف أنفسنا بأنفسنا، لا عبر عدسة المستعمر السابق.
ومصر، بما لها من أقدم حضارة موثقة عرفها الإنسان، وبما تمثله من قيادة فكرية وثقافية للقارة الإفريقية والعالم العربي، قادرة أن تكون القاطرة في هذا المشروع التحرري.