البث المباشر الراديو 9090
رامي زهدي
لم تعد معارك النفوذ في إفريقيا تُخاض على الحدود؛ بل تُخاض على الشاشات.. في العقد الأخير، فرضت منصات التواصل الاجتماعي نفسها كقوة ناعمة "خارقة" تصوِّغ فكر الشعوب الإفريقية، وتوجِّه سلوكها - أحيانًا - دون إدراك منها.

وبينما كانت الأنظمة الإفريقية تبحث عن النمو والتنمية، كان هناك من يزرع عبر هذه المنصات وعيًا وفكرًاَ زائفًا مشوَّهًا، يحمل في طياته أدوات الهدم لا البناء.

في وقتٍ، يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت في إفريقيا حوالي 650 مليون نسمة عام 2024، وهو ما يشكِّل قرابة 47% من سكان القارة.

بينما نسبة مستخدمي فيسبوك وحده في نيجيريا "أكبر دول القارة" تتجاوز 35 مليون مستخدم نشط شهريًا.

وتنتشر تطبيقات مثل: TikTok ،WhatsApp ،X (X هي تويتر سابقًا)، بشكل واسع بين فئة الشباب تحت 30 عامًا، الذين يُشكِّلون أكثر من 60% من سكان القارة.

هذه الأرقام تعني ببساطة أن وعي وفكر المواطن الإفريقي المعاصر، خاصة في المدن، يُصاغ رقمياً، وأن أي خلل في تلك المنصات أو تضليلٍ ممنهج يتحوّل تلقائيًا إلى تهديد أمني واستراتيجي.

ومن التضليل إلى الاستقطاب، تستخدم أدوات صناعة الوعي الزائف وتشتيت الفكر وبث الأفكار الهدامة، ومن هذه الادوات الأخبار الكاذبة، حيث تنتشر عبر صفحات مجهولة التمويل، تقوم بنشر معلومات مضللة حول الحكومات والمؤسسات الوطنية، ما يُفضي إلى انعدام الثقة وتآكل الشرعية.

وأيضا، التضخيم الانتقائي، بحيث يقوم خوارزميات المنصات بترجيح المحتوى الذي يثير الغضب، والانقسام؛ مما يغذي خطاب الكراهية العِرقي، والديني، والقبلي، وهي خطوط تماس حساسة في المجتمعات الإفريقية.

وهناك ما يسمى بـ "الذباب الإلكتروني" و"الجيوش السيبرانية"، عبر استخدام حسابات وهمية مُدارَة مركزيًا؛ للترويج لأجندات سياسية أو اقتصادية من قِبَل دول أو شركات كبرى، لإعادة توجيه الرأي العام.

إضافة إلي الاحتلال الثقافي والمرجعي، يتم تقديم نماذج حياة وقيم غربية معزولة عن واقع المجتمعات الإفريقية، مما يُحدث شرخًا هوياتيًا بين الجيل الجديد وموروثه الثقافي والديني.

والمُستَهدف يتمثل في الآثار السياسية والأمنية للوعي الزائف والفكر الفاسد؛ فاندلاع احتجاجات مفاجئة في عدد من الدول الإفريقية بعد حملة "هاشتاجات" على تويتر وفيسبوك "نيجيريا، والسنغال، وجنوب إفريقيا" هو نموذج لما تم الإشارة إليه، كذلك اتساع فجوة الثقة بين الشعوب ومؤسسات الدولة في بلدان مثل مالي وبوركينا فاسو، وقد أفضى إلى توترات سياسية وأمنية متتالية.

ومن ضمن الآثار السلبية، تضاعف حالات العنف الرقمي، وخطاب الكراهية القَبَلي في السودان، والكنغو الديمقراطية، ما ألهب نيران الصراعات الأهلية.

كل هذا يجعل مسألة "الوعي الرقمي" مسألة أمن قومي بامتياز، وليس مجرد ظاهرة اجتماعية.

مصر تعد من أوائل الدول الإفريقية والعربية التي تعاملت بجدية مع ملف الوعي الزائف على منصات التواصل.

وشهدت السنوات الأخيرة سلسلة من الخطوات، كان منها، قانون مكافحة جرائم الإنترنت (2018)،والذي يمنح السلطات صلاحيات رصد وتتبع الحسابات التي تنشر الشائعات وتبث الأكاذيب.

وكذلك تأسيس المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، والذي يرصد أسبوعيًا مئات الشائعات، ويفندها رسميًا ببيانات موثقة، منعًا لتأثيرها السلبي على الرأي العام.

أيضًا، هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات "ITIDA"، وهي تُشرف على برامج توعية رقمية، تستهدف الشباب والطلاب لتعزيز مهارات التفكير النقدي والتحقق من المصادر.

إضافة الي ذلك دور كبير للمؤسسات الدينية "الأزهر والكنيسة"، والمؤسسات الفرعية التابعة لهما، حيث تؤدي هذه المؤسسات دورًا مهمًا في التصدي للخطاب المتطرف أو المشوّه، الذي يُبث عبر صفحات أو مجموعات مغلقة تستغل الدين لأغراض سياسية.

"فرص نقل التجربة المصرية إلى إفريقيا.. الفرص والأدوات"

في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بالوعي الزائف في القارة، تبدو مصر مؤهلة للعب دور قيادي في نقل تجربتها عبر محاور عدة، منها

التعاون التشريعي، عبر مساعدة الدول الإفريقية على صياغة قوانين حديثة لضبط منصات التواصل، تستند إلى التوازن بين حرية التعبير والأمن القومي.

وبرامج تدريب للكوادر الإعلامية والإلكترونية، يتم فيها استضافة دورات تدريبية متخصصة لمسؤولي الإعلام والمجتمع المدني الإفريقي، وتنظمها الهيئة الوطنية للإعلام والمجلس الأعلى للإعلام.

كذلك، دعم مراكز الرصد والتحليل في إفريقيا، كمثال يمكن نقل نموذج "المركز الإعلامي لرئاسة الوزراء" إلى دول مثل أوغندا وغانا والسنغال بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي.

من الممكن أيضا، إطلاق مبادرة "الوعي الرقمي الإفريقي"، وقد تكون مبادرة من القاهرة، بالتعاون مع منظمات دولية، تهدف لتعليم الجيل الجديد أدوات التحقق من الأخبار والتصدي للخوارزميات المضللة.

ومن خلال السعي الجاد نحو استراتيجية إفريقية جماعية لبناء وعي رقمي رشيد، لا يمكن لأي دولة إفريقية أن تواجه منفردة هذا الخطر، فثمة حاجة ملحة لبلورة استراتيجية قارية مشتركة تتضمن تأسيس شبكة إفريقية للرصد الرقمي والتحقق من الأخبار، وتبني ميثاق إعلامي إفريقي يضع معايير مهنية وأخلاقية لاستخدام المنصات الرقمية.

وكذلك التعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى لإدراج اللغة والسياقات الإفريقية في سياسات المحتوى والمراجعة.

وأضِف الي ذلك دعم الصحافة المحلية المستقلة لمواجهة سطوة الحسابات الممولة والتضليل الخارجي.

في النهاية، إما أن نملك وعيًا قويًا وفكرََا قويمًا... أو نُدَار به كيفما يُشاء لنا؛ ففي إفريقيا اليوم، لم تعد المعركة - فقط - على الثروات أو الموارد؛ بل على العقول. وتحت ظلال العناوين الرنَّانة، والهاشتاجات المتوهجة، تتسلل أجندات تهدد السلم الاجتماعي وتشوِّه مسارات التنمية.

كذلك؛ فإن الدور المصري - في هذا الملف - لا يجب أن يكون خيارًا؛ بل مسؤولية تاريخية؛ فكما دعمت مصر حركات التحرر، يمكنها اليوم أن تدعم تحرير الوعي الرقمي، وأن تصوغ من خلال التعاون الإفريقي المشترك مظلة سيبرانية قادرة على حماية العقول من "الاحتلال الرقمي"، وقيادة القارة نحو وعي رشيد يبني ولا يهدم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز