رامي زهدي
انطلق هذا الحدث القاري الكبير في نسخته الرابعة رسميًا الثلاثاء، ويستمر حتى 27 يونيو 2025، بمشاركة واسعة من أكثر من 70 دولة، ومئات الشركات، والمؤسسات العاملة في مجال الصحة، والدواء، والتكنولوجيا الطبية؛ ليؤكد مجددًا أن مصر ليست فقط محورًا صحيًا إقليميًا؛ بل شريكًا استراتيجيًا في صناعة مستقبل الصحة في القارة الإفريقية.
يمثل معرض ومؤتمر "صحة إفريقيا" منصة غير مسبوقة لجمع الحكومات، والمستثمرين، والعلماء، والمهنيين الصحيين في مكان واحد، على أرض العاصمة المصرية؛ لمناقشة أبرز التحديات الصحية التي تواجه القارة الإفريقية، وطرح حلول واقعية تدعم توطين الصناعات الطبية، وتعزيز التحول الرقمي في القطاع الصحي، وتوسيع الوصول العادل إلى الخدمات الصحية والتكنولوجيا العلاجية.
وبحسب البيانات الأولية للمؤتمر والمعرض، يشارك أكثر من 500 عارض من شركات، ومؤسسات محلية ودولية، بينما تحضر أكثر من 70 دولة بوفود رسمية ومهنية، ويُتوقّع حضور ما يزيد عن 40 ألف زائر ومشارك.
ويتضمن البرنامج أكثر من 350 جلسة علمية، وورشة عمل تدريبية، حيث تم حجز أكثر من 2,800 اجتماع عمل مباشر "B2B" مسبقًا بين المستثمرين، والمشاركين.
وهذه المؤشرات تُظهر بوضوح حجم الزخم المصاحب للحدث، والفرص الاقتصادية، والاستثمارية التي يتوقع أن تنتج عنه لصالح إفريقيا ككل.
رؤية استراتيجية مصرية وإفريقية لتكامل صحي إفريقي مستدام
ترتكز فلسفة المؤتمر على تمكين الدول الإفريقية من إنتاج احتياجاتها الصحية محليًا، بدءًا من الأدوية، ومرورًا بالمستلزمات الطبية، ووصولًا إلى التكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي في التشخيص، والعلاج، وهو ما تم تأكيده في كلمات الافتتاح الرسمية.
ويبرز - في هذا السياق - توجه مصر لدعم الشراكات الثنائية، والمتعددة مع دول القارة في مجالات: التصنيع الدوائي، ونقل التكنولوجيا، والتدريب الفني.
وبالفعل، فقد تعلمت إفريقيا من دروس جائحة كوفيد 19، أن الاعتماد على الخارج في توريد المواد الحيوية يُهدد الأمن الصحي الوطني.
ومن هنا، يهدف المؤتمر إلى بحث بناء شبكات لوجستية صحية متكاملة داخل إفريقيا، تُدار بكفاءة، وتُموَّل من مصادر متعددة، وتستند إلى قاعدة بيانات مشتركة.
ويأتي أحد أبرز محاور المؤتمر متمثلًا في بناء رأس المال البشري الصحي الإفريقي؛ حيث تشير تقارير الاتحاد الإفريقي إلى أن القارة تحتاج إلى 1.5 مليون ممارس صحي إضافي بحلول عام 2030؛ ولذلك، أعلنت مصر عن مبادرات جديدة لتوفير المنح الدراسية للأطباء والطلاب الأفارقة، وتوسيع البرامج التدريبية عبر المراكز المصرية المعتمدة.
وتُعد الصحة ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي. فالمؤتمر يسعى بوضوح إلى تحويل الرؤية الصحية إلى منصة استثمارية إفريقية، تُموَّل من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص، وبدعم من المؤسسات الدولية والإقليمية.
ومن أبرز المبادرات المُتوقَّع إطلاقها خلال أيام المؤتمر، تحالفات بين شركات دوائية مصرية ودول إفريقية لإنشاء خطوط إنتاج محلية، وتوقيع بروتوكولات لخدمات الصحة الرقمية بين مصر، وعدد من دول شرق إفريقيا، وكذلك إعلان تأسيس صندوق لدعم الابتكار الصحي في القارة بالشراكة مع مؤسسات تمويلية عربية وإفريقية.
على الرغم من الزخم الكبير المصاحب للمعرض والمؤتمر، ما زالت التحديات التي تواجه الصحة في القارة قائمة، ومنها ضعف التمويل المحلي في عدة دول إفريقية وتفاوت البنية التحتية وغياب شبكات البيانات الصحية الموحدة، إضافة إلي هجرة الكوادر الطبية المدربة نحو أوروبا وأمريكا، وكذلك، الاعتماد المفرط على الاستيراد في الأجهزة، والمستلزمات.
غير أن المؤتمر يطرح حلولًا واقعية وجريئة؛ مثل تأسيس مرصد إفريقي للصحة العامة، ومنصات لتدريب الكوادر في بلدانهم الأصلية، وتوسيع رقعة التمويل متناهي الصغر في القطاع الصحي.
ومن التوصيات المهمة لمستقبل أكثر صحة لـ إفريقيا، ترسيخ معرض ومؤتمر "صحة إفريقيا" كمؤسسة سنوية دائمة تنطلق من مصر نحو كل أقاليم القارة، والعمل على إطلاق صندوق قاري للابتكار والتكنولوجيا الصحية برعاية مصرية - إفريقية.
إضافة إلي ربط برامج التنمية الصحية مع أهداف أجندة إفريقيا 2063 من خلال خطة شاملة، والسعي نحو الاستفادة من المؤسسات المصرية الكبرى كمنصات تدريب إقليمي، مثل: مستشفيات جامعة القاهرة، ومعهد ناصر، ومستشفى 57357، وكذلك تعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي؛ لتجاوز عجز الكوادر في المناطق النائية.
إن معرض ومؤتمر "صحة إفريقيا" في نسخته الرابعة، ليس فقط، مناسبة دولية للتعارف والتواصل؛ بل هو منصة استراتيجية لمواجهة التحديات الصحية الكبرى في القارة السمراء، من منظور تكاملي، واقعي، ومستدام.
وقد أحسنت مصر صنعًا بأن جعلت من هذا الحدث علامة بارزة على خريطة القارة، لا تقتصر على الحاضر؛ بل تبني للمستقبل.
"فالصحة لم تعد شأنًا محليًا؛ بل أصبحت أداة للقوة الناعمة، ومنصة لتعزيز التعاون جنوب جنوب، وبوابة لتكامل اقتصادي حقيقي بين دولنا الإفريقية".