رامي زهدي
لكن في مقابل هذه الصورة القاتمة، تلوح بارقة أمل تتجسد في تجارب تنموية صاعدة، على رأسها التجربة المصرية الملهمة في التحول الاجتماعي والاقتصادي ومكافحة الفقر، وكذلك تجارب اخري لدول افريقية قاومت التحديات وعملت في الإطار الصحيح فحققت نجاحات مؤثرة.
ورغم وفرة الموارد، تعاني إفريقيا من فجوة تنموية ضخمة، توضح البيانات التالية حجم التحدي، فأكثر من 460 مليون إفريقي يعيشون تحت خط الفقر الدولي (1.90 دولار في اليوم).
وفي بعض الدول مثل جنوب السودان، مدغشقر، والنيجر، تصل نسب الفقر إلى أكثر من 75%.
أما في أفريقيا جنوب الصحراء، فإنها تمثل وحدها حوالي 85% من فقراء العالم شديدي الفقر.
كل هذا بينما، نسبة الشباب (أقل من 25 سنة) في القارة تتجاوز 60%، وهو ما يعني أن الفقر مرتبط بجيل المستقبل، وأكثر من 100 مليون طفل في القارة يفتقرون إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.
وتعددت الأسباب الجذرية للفقر في القارة الإفريقية، الأسباب متعددة والفقر واحد، فالإرث الاستعماري وهيمنة الهياكل الاقتصادية الموجهة للخارج كانت كفيلة طوال الوقت وللأسف بالحفاظ علي إستدامة حالة الفقر، خاصة وأن اقتصادات معظم الدول الإفريقية نشأت حول تصدير المواد الخام، دون بناء قاعدة صناعية.
كذلك،فإن ضعف الحوكمة والفساد الإداري، تكلف القارة سنوياً ما يقدر بـ 150 مليار دولار بسبب الفساد، وهو رقم كفيل بتقليص الفقر بنسبة 40% خلال عقد لو كان استخدم في التنمية.
وأيضا، فإن الهشاشة السياسية والنزاعات المسلحة سبب محقق للفقر، فنحو 15 دولة إفريقية شهدت صراعات أهلية أو إقليمية خلال العقد الأخير، مما أدى إلى نزوح نحو 30 مليون شخص.
كما أن الاعتماد المفرط على المعونات الخارجية بدلًا من تمكين الإنتاج المحلي، كرس ثقافة الاستهلاك والارتهان للممولين الدوليين.
وكذلك وبالإضافة إلي ضعف شبكات الحماية الاجتماعية، فأربعة دول فقط من أصل 54 دولة إفريقية لديها أنظمة دعم اجتماعي شاملة.
التجربة المصرية في مكافحة الفقر: نموذج للإلهام القاري
من أبرز معالم التجربة المصرية، مبادرة "حياة كريمة"، وهي أكبر مشروع تنموي اجتماعي في الشرق الأوسط وإفريقيا وربما في تاريخ العمل التنموي الإفريقي علي الإطلاق، وقد استهدف المشروع أكثر من 60 مليون مواطن عبر تطوير القرى والمراكز الريفية، بتكلفة تتجاوز 1 تريليون جنيه مصري، كما جمع بين بنية تحتية، إسكان كريم، رعاية صحية، تمكين اقتصادي، وتعليم فني.
وكذلك ومن ملامح نجاح التجربة المصرية، برامج الدعم النقدي المشروط (تكافل وكرامة)، والتي استفاد منها أكثر من 4.1 مليون أسرة، كما ربط بين الدعم المادي والالتزام بالتعليم والرعاية الصحية.
أيضا، تمكين المرأة والشباب، ودعم مشروعات متناهية الصغر وصغيرة للشباب والنساء، وتمكين قانوني وتشريعي لتحسين فرص المشاركة الاقتصادية.
وأيضا بناء منظومة البيانات الذكية والتخطيط المركزي، عبر إنشاء قاعدة بيانات موحدة للفئات الأولى بالرعاية، واستخدام الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لتوجيه الموارد بدقة.
ومن خلال التجربة المصرية يمكن نقل استراتيجيات متعددة الأبعاد للقضاء على الفقر في إفريقيا من واقع التجربة المصرية المُحققة بالفعل، من هذه الاستراتيجيات، استراتيجية التنمية الريفية الشاملة، حيث ان 70% من فقراء القارة يعيشون في المناطق الريفية، وبالتالي فالاستثمارات في الزراعة الذكية، الري الحديث، البنية الأساسية الريفية، والتسويق الزراعي يمكن أن تقفز بمعدلات النمو وتوفر ملايين الوظائف.
كذلك استراتيجية دعم التصنيع المحلي وتعزيز القيمة المضافة، عبر الاستفادة من الموارد الطبيعية وتحويلها إلى منتجات نهائية، والعمل علي إنشاء مناطق صناعية قارية و"ممرات لوجستية" لربط الإنتاج بالأسواق.
كذلك تطوير التعليم الفني وربطه بسوق العمل، وربما يمكن ايضا إطلاق "مبادرة إفريقية للتعليم التقني والتدريب المهني" على غرار التجربة المصرية في تطوير التعليم الفني الصناعي والزراعي.
وتسريع التحول الرقمي والدمج المالي، حيث أن أكثر من 60% من البالغين في إفريقيا لا يملكون حسابات بنكية، وبالتالي فالتوسع في المحافظ الإلكترونية، منصات التمويل الجماعي، والعملات الرقمية الحكومية، هو امر شديد الأهمية والارتباط بالأهداف المرجوة.
ومن الإسترايجيات الهامة، دعم الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، ودعم استقلالية أجهزة الرقابة، وتفعيل قوانين الشفافية، و استخدام التكنولوجيا والعلم الإداري المتقدم لضمان شفافية الإنفاق العام.
ثم، كذلك، تعزيز التكامل القاري، عبر تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية (AfCFTA) لتوليد ملايين الوظائف، وتخفيض الحواجز الجمركية وتيسير حركة الأشخاص ورؤوس الأموال.
كما يمكن تقديم مقترحات عملية قابلة للتطبيق للدراسة والتقييم، منها مقترح إنشاء بنك تنموي إفريقي موحد للفقراء بحيث يمول مشاريع البنية التحتية والتشغيل الذاتي لصغار المنتجين.
وإطلاق مؤشر قاري للفقر المتعدد الأبعاد، بحيث يتيح قياس دقيق لحرمان السكان من الخدمات الأساسية.
وأيضا، توجيه جزء من المساعدات الدولية إلى التعليم والإنتاج، وربط المعونات بمؤشرات الأداء والتمكين الذاتي، وكذلك، تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار الاجتماعي من خلال الحوافز الضريبية والمزايا التفضيلية.
وأخيرا، العمل علي تعميم التجربة المصرية والإقتضاء بها عبر شراكات ثنائية، خاصة في مجالات في تطوير القرى، التعليم المجتمعي، التمويل الصغير، وتمكين المرأة.
ليعمل جميعنا في القارة، دول، حكومان، احزاب ومجتمع مدني وشعوب نحو عقد تنموي جديد بلا فقر، فالقضاء على الفقر في إفريقيا ليس مجرد حلم مثالي، بل هدف واقعي إذا ما توافرت الإرادة السياسية والرؤية التنموية الموحدة والاستفادة من النماذج الرائدة في القارة.
إن التكامل بين التجربة المصرية والمبادرات الإفريقية هو السبيل نحو مستقبل لا يكتفي فيه المواطن الإفريقي بالبقاء على قيد الحياة، بل يعيش بكرامة، ويبدع، ويشارك في بناء قارة مزدهرة.