د. نسرين عبد العزيز
وفي حقيقة الأمر، فقد استطاع المسلسل أن يجذب انتباه الجمهور منذ المشهد الأول؛ فالأحداث ذات إيقاع سريع، بتصاعد درامي جيد، مع مزج موسيقي تصويري متنوع، بالإضافة إلى البصمة البصرية الساحرة للعمل، والصورة الخلابة من قصور، وشوارع، وحدائق، وجبال، وصحاري، وحتى البيوت، والأزقة، وأماكن العبيد، وميادين القتال؛ فقد كانت مدروسة بعناية شديدة، مع توظيف جيد للكادرات والإضاءة.
ونأتي هنا لنتحدث عن الأداء التمثيلي لأبطال العمل، فقد كان هناك توظيف جيد إلى حدٍ ما للأبطال، والأدوار التي قاموا بتجسيدها.
فأسماء أبو اليزيد قدمت دور الشر باحترافية، على خلاف ما اعتاد عليه الجمهور معها في أدوار الخير، والرومانسية؛ فكانت بارعة في الدور، وعبَّرت عنه بإبداع شديد. وأحمد غزي قدم دورًا جديدًا للملك التائه، واستطاع أن يقدم التناقض في المبادئ والأخلاق والمشاعر والأحاسيس بشكلٍ متميز؛ فتارة يكرهه الجمهور، وتارة يتعاطف معه، ويُشفق عليه.
وكذلك سارة التونسي كانت بارعة في دور بنت الدكاكين، الجارية ذات الشر المولع بالحب والغضب والانتقام الهادئ والمدروس، كالحرباء تتلون بألوان عدة، كما كان محمود البزاوي، وعمرو عبدالجليل، وحسن العدل، ووليد فواز، في حالات فنية مختلفة لها رونق خاص، وأضافت للعمل كثيرًا.
ولكن سأركز - عزيزي القارئ - في السطور التالية على دور كريم محمود عبد العزيز، والذي كان خارجًا عن المألوف له، فقد ارتبط به الجمهور كبطل لكوميديا الموقف، خفيف الظل، يحبه الصغار قبل الكبار.
ولكن حينما يقدم دورًا مختلفًا، يُبدِع، كما رأيناه في مسلسل جبل الحلال، وفيلم موسى - على سبيل المثال - إلا أن دور الأمير شمس الدين، وريث العرش في مملكة الحرير، هو إعادة اكتشاف لموهبة عبدالعزيز من جديد، وتجربة فنية تؤكد امتلاكه لموهبة كبيرة في التمثيل، تنتظر المزيد، والمزيد من الفرص لإظهارها.
أداء هادئ به تمكُّن وحيوية، لغة جسد رائعة ذات معنى، متناغمة في حواره مع الشخصيات أو مع ذاته، شخصية معقدة على المستوى النفسي، والبصري؛ فهو طفل يُولَد بلون عينين مختلفتين، يظن الجميع أنه جِنِّي!؛ فينبذه المجتمع، فيُفضل أن يُوصف بالأعور عن أن يُكتشف أمره.
فكرة لم تُطرح كثيرًا في الدراما، ولكنها كانت ذات دلالة مهمة، نواتها تقبُّل الآخر، سواء من محيط أسرته أو من خارجها، فقدَّم الحب، والعطاء، والوفاء، والغضب، والقسوة، والانتقام، في توليفة درامية استطاع أن يقودها بحس فني عالٍ، مع إخراج واعٍ متميز لــ بيتر ميمي؛ صاحب الفكر المختلف والمنافس على العالمية.
فقدّم الفانتازيا بشكل مختلف، وبطابع خاص، وكتابة مختلفة، تجد فيها شيئًا من الاقتباس، ولكن تجد الطابع العربي غالبًا على الطرح؛ فالصراع على العرش بين الإخوة، محور العمل، له دلالات رمزية وسياسية كثيرة، قدمت قسوة الواقع، فقابيل قتل أخاه هابيل في أول جريمة قتل في تاريخ البشرية.
وفي مشهد من مشاهد مملكة الحرير، وعلى لسان الأمير شمس الدين، قُدِّمت فلسفة الحرب في حوار بسيط وذكي للمشاهد، وفي نهاية العمل، وبمشهد آخر، قُدِّمت فلسفة الحكم، وتحقيق العدل، والخوف من ظلم الرعايا.
كنت أرغب في أن يكون الأمير شمس الدين بعيدًا عن القتال والحرب، وأن يظل نموذجًا للأمير المحب للسلام، وألا يتورط في القتال، ودائرة الانتقام؛ ربما لأنني أميل إلى اليوتوبيا، ورفض كَم الشر، والدماء التي شاهدتها في العمل.
ولكن قد يكون توظيف هذا الشر جيدًا، معبّرًا عن ألوان الشر المختلفة التي تنتاب البشرية، ورغبة الكاتب في أن يستحضرها جميعها في عمل فانتازي يقدم رسالة أن كل شخص وُلد في أحسن صورة، ومع تحديات الحياة صمد أو لم يصمد، وتملُّك الشر من جزء ما في شخصيته.
وأخيرًا، وليس آخرًا، سيظل الصراع قائمًا بين الخير والشر، وستظل الفانتازيا خيالًا من وحي المؤلف، ولكنه انعكاس لواقع قد يكون موجودًا بالفعل، أو لواقع قد كان موجودًا من قبل.