رامي زهدي
لم تكن هذه مجرد رحلة في اتجاه واحد، بل كانت محطة فاصلة في التاريخ الإنساني والإقليمي والسياسي، تجمع في مشهد واحد مشاعر متداخلة من الحنين، والامتنان، والفخر، والتحدي.
إنها لحظة عودة طوعية، لكنها أيضًا لحظة وداع مؤلم لوطن بديل احتضنهم، وكان أكثر من ملاذ آمن، رحلة على قضبان السكك الحديدية، لكنها تسير فوق سطور التاريخ، وبين شرايين الانتماء المتبادل.
ما بين التضاريس والعاطفة، ومنذ أكثر من عامين، ومع اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، كانت مصر أول من فتح ذراعيه، لا بقرارات رسمية فقط، بل بمشاعر شعبية فورية تحركت دون توجيه، ولا أجندة، بل بالإنسانية وحدها.
عبر الحدود الشمالية للسودان، تدفق مئات الآلاف، فروا من الجوع والنار، فوجدوا في مصر وطنًا بديلاً، بلا معسكرات، ولا أسلاك شائكة، ولا جدران منسية، بل بيوتًا مفتوحة، ومستشفيات تستقبل دون سؤال عن الجنسية، ومدارس تستوعب دون حواجز.
مصر لم تكن "بلد ملاذ أو فرار"، بل كانت حضنًا كبيرًا لروح إفريقيا النازفة، والشعب المصري لم يتعامل مع السودانيين كلاجئين، بل كإخوة تجمعهم روابط العرق والتاريخ والنيل واللغة والمصير.
عبر رحلة الألف قصة الثالثة، انطلق القطار رقم 1940 في تمام الساعة 11 صباحًا، في رحلة تمتد على نحو 850 كيلومترًا من القاهرة إلى محطة السد العالي بأسوان. ضم القطار 5 عربات مكيفة من الدرجة الثالثة، إلى جانب عربة بوفيه وعربة للأمتعة، ورافقه تنسيق كامل مع أجهزة الدولة ومؤسسات الإغاثة.
والمشهد داخل القطار، أطفال نائمون على أكتاف أمهاتهم، رجال يحدقون عبر النوافذ بعيون ملأى بالحزن، نساء يحتضنَّ ذكرياتهن أكثر من أمتعة السفر. العائدون لم يحملوا معهم إلا القليل من الحاجيات، لكنهم حملوا الكثير من القصص، والتجارب، والوفاء لمصر.
وبعد نحو 12 ساعة و40 دقيقة من السير عبر قلب الصعيد المصري، يصل القطار إلى أسوان، حيث تُستكمل الرحلة إلى معبر قسطل الحدودي، ثم يُنقل الركاب إلى السودان عبر آلية دقيقة تُنسق مع هيئة الصناعة الدفاعية السودانية.
وتتكرر هذه الرحلة أسبوعيًا، ضمن خطة مرحلية لعودة من يرغب من اللاجئين السودانيين، والذين يُقدَّر عددهم المسجل رسميًا في مصر بنحو 500 ألف شخص، بينما تتجاوز التقديرات غير الرسمية حاجز المليون ونصف، بما يشمل من دخلوا عبر المعابر البرية أو بطرق غير نظامية.
وعبر احتواء دون خيام أو تهميش أو إقصاء، كان النموذج المصري الأصيل، بينما أنشأت دول عديدة مخيمات على أطراف المدن لعزل اللاجئين، رفضت مصر أن تُقصي السودانيين عن مجتمعها. فدخلوا المدارس، وفتحوا المتاجر، وشاركوا في سوق العمل، وتلقوا العلاج جنبًا إلى جنب مع المواطنين.
وقدرت بعض الدراسات غير الحكومية أن ما أنفقته مصر على استضافة اللاجئين السودانيين بشكل غير مباشر يتجاوز 200 مليون دولار سنويًا، تتحملها البنية التحتية والخدمات العامة دون تعويض دولي كافٍ، ورغم ذلك، لم تصدر مصر بيانًا تشكو فيه العبء، ولم تطلب مقابلًا.
وهنا يتجلى الفارق بين دولة تتعامل مع اللاجئين كملف أمني سياسي، ودولة تعتبرهم جزءًا من نسيجها الإنساني.
إن تنظيم هذه الرحلات يبرز النموذج المصري في إدارة ملفات النزوح الإقليمي، ليس فقط من زاوية إنسانية، بل أيضًا ضمن إطار سياسي استراتيجي أوسع. فمصر تتحرك كدولة محورية مسؤولة، تؤمن أن أمن جيرانها جزء لا يتجزأ من أمنها القومي.
الرسالة هنا واضحة: "نحن معكم حتى تعودوا، ومعكم بعد أن تعودوا"، وهذه الرحلات تؤكد أن مصر لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي نسيجها الإفريقي، وشراكتها الوجدانية مع شعوب القارة.
وما بعد العودة التحدي الأكبر، فهذه الرحلة لم تنتهِ عند الحدود، بل تبدأ رحلة جديدة بعد العودة، حيث الأسئلة الصعبة: هل تنتظر العائدين منازل أم ركام؟، وهل لديهم مصادر رزق، خدمات صحية، تعليم، وأمن؟ وهل ستُخصص لهم برامج إعادة دمج وتأهيل؟
بعض المناطق التي يعود إليها السودانيون، خاصة في إقليم دارفور وجنوب الخرطوم، لا تزال تشهد هشاشة أمنية، وقد تمثل العودة الجماعية تحديًا مزدوجًا للدولة السودانية من جهة، وللجهات الإقليمية والدولية من جهة أخرى.
لكن الحنين للوطن كان أكبر من كل التحديات، ومصر لن تترك السودانيين لا هنا ولا هناك، ولن تتخلى أبدًا عنهم، والآن دراسات حول سرعة إعادة الإعمار وتحسين جودة الحياة والخدمات بدءًا من الخرطوم ثم بقية الولايات، ومشاركة مصرية متوقعة ومرجحة ومطلوبة جدًا.
صحيح أن القطار حملهم، لكن مصر ستظل معهم، في القلوب والعقول، مثلما سوف يظل طيف السودانيين في قلوب وعقول جيرانهم في مصر الذين عاشوا جميعًا في احتواء شعبي مؤثر، والشعوب لا تُوجَّه ولا تُسيَّس ولا تتلقى أوامر إنسانية من الحكومات، إنما فقط تعتمد على صدق مشاعرها الإنسانية.
القطار الذي انطلق من رمسيس لم يكن مجرد وسيلة نقل، بل كان جسرًا من الوفاء، وممرًا للكرامة، ورمزًا للعروبة الحقيقية والأخوَّة الإفريقية الصادقة.
غادر السودانيون القاهرة، لكنهم لم يغادروا قلوب المصريين، وتركوا خلفهم ذكريات، وعلاقات إنسانية، ووشائج لن تُمحى.
وبينما ينظر السودانيون من نوافذ القطار إلى الوراء، فإن مصر تنظر إليهم بعين الأمل، وتقول لهم: "اذهبوا لبناء وطنكم، ستجدوننا دائمًا في انتظار اللقاء القادم."