البث المباشر الراديو 9090
رامي زهدي
حيث يبقي الرهان دائمًا على القاهرة.. السيد كامل إدريس في القاهرة، ليبدأ السودان - العائد القوي - خطوته الأولى من بوابة مصر؛ ففي لحظة فارقة من تاريخ السودان الحديث، اختار رئيس الوزراء الانتقالي الأول منذ اندلاع الحرب، السيد كامل إدريس الطيب، أن تكون القاهرة محطته الخارجية الأولى، في زيارة تحمل من الرمزية ما يفوق محتواها البروتوكولي، ومن الأبعاد ما يتجاوز طبيعتها الثنائية.

هذه الزيارة - التي استقبله خلالها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وعقد فيها جلسة مباحثات مهمة مع رئيس مجلس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي - تأتي في توقيت بالغ الحساسية، والتعقيد والتشابك، ليس فقط، في السياق السوداني الداخلي؛ بل في ظل تشابك المعادلات الإقليمية، وتزايد أعباء الملف السوداني على المستويات كافة.

هي ليست مجرد زيارة رسمية اعتيادية؛ بل خطوة استراتيجية لرجل كُلف بمهمة غير مستحيلة لكنها صعبة، إدارة دولة منهكة، ممزقة الأطراف، تحت نيران الحرب، وسط حالة استقطاب سياسي وميداني حاد، وانهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة والخدمات.

السيد كامل إدريس الطيب - الأكاديمي السوداني المعروف، والحائز على ثقة قوى مدنية مؤثرة - يدرك أن المفتاح المصري لا غنى عنه في مسعاه لبناء مسار انتقالي واقعي وقابل للحياة، وأن البداية من مصر ليست ترفًا دبلوماسيًا، بل ضرورة استراتيجية تمليها الجغرافيا، ويفرضها التاريخ، ويؤكدها الواقع، وتحتاجها مصر والسودان.

ما بين مصر والسودان، ليست هناك فقط حدود طويلة تتجاوز 1300 كيلومتر؛ بل هناك تشابك مصيري في ملفات الأمن القومي، والاقتصاد، والمياه، والهوية، والارتباط الشعبي، والتعاون التنموي.

مصر ليست فقط، الدولة الأكثر تأثرًا بالأزمة السودانية؛ بل هي الدولة الأكثر إسهامًا في احتواء تداعياتها، سواء على مستوى استقبال النازحين (حيث تجاوز عدد السودانيين في مصر رسميًا 5 ملايين مواطن وفق تقديرات 2024)، أو على مستوى التحركات السياسية، إذ رعت مصر مؤتمرات القاهرة للحوار السوداني–السوداني، وأكدت دومًا على دعم وحدة الدولة ومؤسساتها الوطنية والحفاظ على سيادة الدولة السودانية.

في زيارة محورية في توقيت حساس، تأتي زيارة السيد إدريس إلى مصر لتحمل دلالات بالغة العمق، منها ترسيخ للثقة بين القيادتين، وهو أمر واضح من حفاوة الاستقبال من الرئيس السيسي، والذي كرر في أكثر من مناسبة دعمه لوحدة السودان ورفضه لأي تقسيم أو تفكيك.

وأيضا، تنشيط قنوات التعاون الثنائي المؤسسي، لا سيما مع الدكتور مصطفى مدبولي، الذي يقود الحكومة المصرية في ملفات معقدة ذات صلة مباشرة بالسودان، كالتنمية، إعادة الإعمار، التجارة، النقل، الطاقة، والمساعدات الطبية والغذائية.

والتفاهم حول إدارة المرحلة الانتقالية، فمصر، بخبرتها في إدارة الانتقال السياسي ما بعد الأزمات، تقدم نموذجًا مهمًا في ضبط التوازن بين الاستقرار والسيادة والإصلاح.

كما يظل هدف إعادة السودان إلى المشهد العربي والدولي من بوابة القاهرة هدفًا موثرًا، والقاهرة - وهي البوابة الطبيعية والأكثر فاعلية - تحظى بثقل عربي وإفريقي ودولي يمكن توظيفه لصالح السودان الانتقالي في الملفات السياسية، والتنموية، والدبلوماسية.

ومن المؤكد أن اللقاء بين رئيسي الوزراء لم يكن بروتوكوليًا فقط، بل تناول عددًا من الملفات الحساسة، أبرزها بالتأكيد جهود إنهاء الحرب ووقف إطلاق النار الدائم، والتنسيق مع الأطراف الفاعلة في الداخل والخارج لدفع مسار الحل السياسي الشامل.

وكذلك عودة الدولة ومؤسساتها، حيث تقدم مصر تصورًا عمليًا في بناء المؤسسات، وهي مستعدة دائما وقادرة على المساهمة في تدريب الكوادر السودانية، وتقديم الدعم الفني والتقني.

أيضًا، إعادة الإعمار والتنمية، خاصة في قطاعات البنية التحتية، الصحة، التعليم، والطاقة، حيث تمتلك الشركات المصرية خبرة واسعة في بيئات ما بعد النزاعات.

وكذلك التعاون في ملف المياه والنقل النهري والسكك الحديدية في إطار المشروع الاستراتيجي لربط بحيرة فيكتوريا بالمتوسط، والذي يعد السودان محورًا فيه، وحماية الحدود ومكافحة التهريب والإرهاب، وهو ملف تتعامل فيه مصر مع السودان كشريك أمني وجغرافي أساسي.

زيارة السيد كامل إدريس إلى القاهرة أكدت أن العلاقات المصرية السودانية لا تحكمها فقط مشاعر الأخوة والمشتركات الثقافية؛ بل تُدار بلغة المصالح والمشاريع الاستراتيجية المشتركة المستدامة. وهذا تحديدًا ما يجعلها علاقات قابلة للاستمرار والتوسع، مهما تبدلت الحكومات أو تغيرت الإدارات.

فمصر ليست لاعبًا محايدًا في الملف السوداني، ولكنها ليست طرفًا منحازًا لطرف دون آخر؛ بل تقدم نفسها عن وعي استراتيجي كضامن لوحدة السودان، ومصدر للثقة، ومحور توازن في ظل فوضى المبادرات الدولية والإقليمية، دون تداخل او تدخل مصري في الشأن الداخلي للسوداني او بشكل يؤثر على إرادة الشعب السوداني

ومن القاهرة، بعث رئيس الوزراء السوداني الانتقالي كامل إدريس برسائل متعددة الاتجاهات:

إلى الداخل السوداني: بأن الدولة في طريقها للعودة وأن الشرعية المدنية قادرة على تمثيل السودان في المحافل الدولية.

إلى القوى الدولية: بأن السودان لا يزال متصلًا بدوائره الطبيعية، وأن مصر هي شريك المرحلة لا بديل عنه.

إلى دول الجوار: بأن هناك محور استقرار جديدًا يتشكل، وأن الخرطوم والقاهرة ستكونان حجر زاويته.

لكن الأهم أن هذه الزيارة يجب ألا تكون محطة منفردة، بل منطلقًا لسلسلة من الزيارات والآليات التنفيذية، تبدأ بلجان مشتركة، وتنتقل إلى خطط اقتصادية وتنموية واضحة، ثم إلى تفعيل دبلوماسية التنمية والسلام.

والقاهرة لا تنتظر، بل تبادر، ومرة أخرى ومرات لا حصر لها، تثبت مصر أن دورها في السودان ليس وليد اللحظة، ولا استجابة لضغط خارجي؛ بل امتدادًا طبيعيًا لموقعها ومسؤولياتها التاريخية.

ولعل زيارة السيد كامل إدريس الطيب تؤكد أن من يريد أن يبدأ خطوات الانتقال السوداني على أرض صلبة، فعليه أن يبدأ من القاهرة.

إن ما يجمع مصر والسودان اليوم، ليس فقط، نهر مشترك؛ وهو النيل العظيم، ولا ممر تجاري بحري؛ هو البحر الأحمر، ولا ماضٍ موحَّد؛ بل تحديات مصيرية لا يمكن تجاوزها إلا عبر تكتل وتعاون وثقة سياسية راسخة.

وها هي القاهرة تفتح ذراعيها، لا لتستقبل رئيسًا لحكومة انتقالية فقط؛ بل لتعيد للسودان بعضًا من صوته الذي كاد أن يضيع بين ركام الحرب وضجيج البنادق.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز