د. عمرو حسن
وأظهرت نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية عام 2021 أن 72% من الولادات في مصر تُجرى بعملية قيصرية، لتصبح مصر صاحبة أعلى معدل عالميًا، هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات طبية صامتة، بل إنذار صحي واجتماعي يهدد سلامة الأمهات والأطفال، وينعكس على قوة رأس المال البشري، الركيزة الأساسية لبناء مستقبل مصر.
لقد أكد السيد الرئيس في أكثر من مناسبة أن بناء الإنسان المصري هو الأساس الحقيقي لأي نهضة، وأن صحة المواطن هي نقطة الانطلاق لتحقيق رؤية مصر 2030، لكن لا يمكننا تحقيق هذه الرؤية بينما تتزايد معدلات الولادة القيصرية بهذا الشكل المقلق، لأن تداعياتها تتجاوز حدود غرفة العمليات لتؤثر على صحة الأمهات، ونمو الأطفال، وكفاءة المنظومة الصحية، وجودة الأجيال القادمة، إننا أمام قضية تمس الأمن القومي الصحي وتستدعي تدخلًا وطنيًا عاجلًا يعيد التوازن إلى ثقافة الولادة في مصر.
الحلول هنا ليست مستحيلة؛ فلقد أثبتت التجارب الدولية أن خفض معدلات الولادة القيصرية ممكن إذا توفرت رؤية شاملة وإرادة حقيقية، تبدأ الخطوة الأولى من وضع سياسات صحية حازمة تعيد الاعتبار للولادة الطبيعية باعتبارها الخيار الأول والأسلم للأم والطفل ، ويجب وضع بروتوكولات واضحة ودقيقة تحدد الحالات التي تستدعي التدخل الجراحي، وربط تقييم الأطباء والمستشفيات بمعدلات الالتزام بهذه المعايير العلمية.
وفي الوقت نفسه، يجب تمكين المرأة الحامل بالوعي والمعرفة حتى تتمكن من اتخاذ قرار مستنير مبني على المعلومة الطبية الدقيقة لا على الخوف أو العادات الاجتماعية. برامج التثقيف الصحي أثناء الحمل أصبحت ضرورة وطنية، ليس فقط لشرح الفرق بين الولادة الطبيعية والقيصرية، بل أيضًا لتوضيح التطور الكبير في وسائل تسكين الألم التي جعلت الولادة الطبيعية أكثر أمانًا وإنسانية ، ولا يقل عن ذلك أهمية تدريب الأزواج والأسر على تقديم الدعم النفسي للأم في هذه اللحظات المصيرية، بما يخفف من قلقها ويزيد قدرتها على اتخاذ القرار الصحيح لمصلحتها ومصلحة طفلها.
أما الإعلام والدراما فلهما دور حاسم في هذه المعركة، لسنوات طويلة، ساهمت المسلسلات والأعمال الفنية في رسم صورة مرعبة عن الولادة الطبيعية باعتبارها مشهدًا للألم والصراخ، ما دفع الكثير من النساء إلى تفضيل القيصرية كخيار أسهل وأقل رعبًا، من هنا يجب أن يتغير الخطاب الإعلامي ليقدم صورة واقعية وإنسانية للولادة الطبيعية باعتبارها تجربة طبيعية آمنة، مع تسليط الضوء على قصص أمهات خضن التجربة بنجاح، حتى نعيد تشكيل الوعي المجتمعي ونواجه المفاهيم الخاطئة.
يجب وضع حوافز واضحة تشجع المستشفيات والمؤسسات الطبية على خفض معدلات القيصرية غير المبررة، كما يجب تدريب الفرق الطبية على أحدث بروتوكولات الولادة الطبيعية، وتجهيز غرف ولادة أكثر راحة وطمأنينة للأم، مع السماح بوجود مرافق داعم إلى جانبها، بما يحول لحظة الولادة من إجراء جراحي مرهق إلى تجربة إنسانية آمنة ومطمئنة.
إن خفض معدلات الولادة القيصرية في مصر ليس قضية طبية فقط، بل قضية ترتبط مباشرةً بقدرتنا على تحقيق ما أكده فخامة الرئيس من أن "بناء الإنسان المصري هو الركيزة الأساسية لبناء الجمهورية الجديدة"، فالأم السليمة والطفل القوي هما الأساس في صياغة جيل أكثر صحة وقدرة على التعلم والإنتاج والمنافسة عالميًا، وإذا أردنا مستقبلًا أفضل لأبنائنا ووطننا، فعلينا أن نعيد التوازن إلى ثقافة الولادة، وأن نعيد القيصرية إلى مكانها الطبيعي كحل استثنائي عند الضرورة فقط، بينما نعيد الاعتبار للولادة الطبيعية.